الصفحة 10 من 33

العكس.

وقد ذمت جميع الشرائع -السماوية منها والأرضية- اتباع الهوى وإعجاب المرء بنفسه؛ فقال - صلى الله عليه وسلم:"ثلاث مهلكات ...: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ..." ( [22] ) ، وقال -تعالى-: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا} [الفرقان: 43] ؛ لأن اتباع الهوى في التعامل مع النصوص الشرعية ستذهب بتلك النصوص إلى غايات ومعانٍ لم يردها الله ولا رسوله، وستؤدي إلى الفهم المنحرف عما أراده الشرع؛ ولهذا زعم أركون أن"القرآنُ نَصٌّ مفتوحٌ لجميع المعاني، ولا يمكن لأيِّ تفسير أو تأويل أن يغلقَه أو يستنفدَه بشكل نهائيٍّ" ( [23] ) فخرج وزمرته عن جادة الصواب، وزعموا أن كثيرًا من المصطلحات التي تعارف المسلمون على معانيها في النصوص الشرعية ليست إلا معاني سطحية، وهذا الادعاء ما هو إلا اتباع لأسلافهم ممن كَفَّروا المسلمين بالذَّنب والمعصية، وخرجوا عن جماعتهم، فقاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - على هذا الفهم المحرَّف الجديد والتَّأويل المبتدع لكتاب الله.

فزعم أحفاد هؤلاء أن معنى التَّوحيد المكلف به المسلمون هو توحيدُ الأمَّة والفكر وليس توحيدَ الآلهة ( [24] ) ، وكأن الأمة ستتوحد على تناقض معتقداتها ومرجعياتها ومناهجها، كما زعموا أن"الغيبيَّات عمومًا كالعرش والكرسيّ والملائكة والجنّ والشَّياطين والصِّراط والسِّجلَّات وغير ذلك ليست إلا تصوُّرات أسطوريَّة" ( [25] ) ، وأن حديثُ القرآن عن اللَّوح المحفوظ"هو صورة فنِّيَّةٌ، الغايةُ منها إثباتُ تدوين العلم؛ فالعلم المدوَّن أكثرُ دقَّةً من العلم المحفوظ في الذَّاكرة، أو المتصوَّر في الذِّهن" ( [26] ) ، وأن"العالَمُ الآخرُ أسطورةٌ اخترعها الكهنة ليسيطروا على النَّاس ويحكموهم" ( [27] ) ، والمقصود بـ"أمور المعاد هي الدراسات المستقبلية بلغة العصر، والكشف عن نتائج المستقبل ابتداءً من حسابات الحاضر" ( [28] ) ، و"أن المقصود بالنفخ في الصور، وقيام الساعة: صراعُ المتناقضات" ( [29] ) ، و"قد لا يكون البعث واقعةً مادِّيَّةً تتحرَّك فيها الجبال، وتخرج لها الأجساد؛ بل يكون البعثُ هو بعثُ الحزب وبعثُ الأمَّة وبعثُ الرُّوح؛ فهو واقعةٌ شعوريَّةٌ تمثِّل لحظةَ اليَقَظة في الحياة في مقابل لحظة الموت والسُّكون" ( [30] ) ، وأما"البعثُ الذي يريده القرآن والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ليس هو البعث بعد الموت؛ وإنَّما هو البعثُ من عالم الطُّفولة والتَّخلُّف إلى عالم التَّقدُّم والوعي" ( [31] ) ، وأن"الجنة والنار هما النعيم والعذاب في هذه الدنيا، وليس في عالم آخر يحشر فيه الإنسان بعد الموت؛ الدُّنيا هي الأرض، والعالَم الآخر هو الأرض؛ الجنةُ ما يصيب الإنسان من خير في الدُّنيا، والنَّارُ ما يصيب الإنسانَ من شرٍّ فيها" ( [32] ) ، و"الحور العين وملذات الجنة هي تعبير عن الفن والحياة بدون قلق ( [33] ) ، فكانت هذه نتاجات خروجهم عن اتباع فهم سلف الأمة، وانحرافهم عن التعامل الصحيح مع نصوص الشرع، وقس على ذلك عقائد لا يقرّ بها أدنى العقلاء."

وقد أخبرنا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن هذه المعركة التي ستقوم بين المحرِّفين للنُّصوص عن معانيها، وبين أصحابه والتَّابعين لهم بإحسان المتمسِّكين بفهمها على المراد الذي أنزله الله تعالى؛ فعن أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - قال: كنَّا جلوسًا ننتظر رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج علينا من بعض بيوت نسائه، فقمنا معه، فانقطعت نعله، فتخلَّف عليها عليّ - رضي الله عنه - يخصفها، فمضى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ومضينا معه، ثم قام ينتظره وقمنا معه فقال:"إنَّ منكم مَن يقاتل على تأويل هذا القرآن، كما قاتلت على تنزيله"، فاستشرفنا، وفينا أبو بكر وعمر - رضي الله عنه - فقال:"لا، ولكنَّه خاصف النَّعل". قال: فجئنا نبشِّره، وكأنَّه قد سمعه ( [34] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت