العقائد والمناهج المبتدعة، فيستغلونها لتحقيق مصالحهم الشخصية من خلال التعامل مع تلك النصوص الشرعية بشكل مجانب للصواب، ويتبعهم كثير من المغرضين وأصحاب المصالح الشخصية وأتباع الأهواء والحاقدين على الإسلام وأهله والجاهلين، عملًا بمنهج سلفهم من اليهود وأصحاب الأهواء حين وصفهم الله في قوله: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75] .
فنجد كثيرًا منهم من يجابه ويقاتل لهوىً له أو عصبية لفكر أو منهج منحرف، فيزيدوا من افتراق الأمة واختلافها، ولا نكاد نجد رأيًا شاذًا، أو مذهبًا منحرفًا، إلا ونجد من الغوغائيين وأصحاب المصالح والجهال وأصحاب الشهوات والأهداف الشخصية من يتبعه لتحقيق هدف معين، أو تقاطع مصالحهم؛ كزعم بعض المغرضين في دين الله أن الفنُّ بما فيه من رقص وموسيقى من شعب الإيمان والتَّوحيد ( [71] ) .
وقد تكرر هذا الأمر على مدى عصور الإسلام منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ فابن سبأ اليهودي وجد له من الأتباع والأشياع من تبعه على ضلاله، ومن بعده معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، ومن بعده واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، ومن بعدهم تجرأ الرافضة وجاهرت بمعتقداتها الفاسدة، وظهرت المشبهة على يد هشام بن الحكم، ثم انحرف المتكلمون من الكلابية والأشعرية والماتريدية، والمتصوفة والفلاسفة، حتى جاء المستشرقون والحداثيون في عصرنا الحاضر، وما تخلل تلك الفرق من انشقاقات وانقسامات، وما أضاف البعض من البدع المحدثة، وتطاول به المفسدون على دين الله -تعالى- وأراد بأمته التفرق والتحزب والانحراف، وبقيت آثار تلك الفرق ورواسب فكرها وانحرافها الناتج عن البعد عن التعامل الصحيح مع نصوص الشرع، وما قصّر به كثير من المسلمين من إنكار المنكر، وإبطال البدع ومحاربة الضلالات، والدعوة لدين الحق، والعمل بنصوص الشرع، والتقيد بما نزلت به من عند الله -سبحانه وتعالى-.
ولا يزال رؤوس تلك الفتن يورث بعضهم بعضًا ضلالاتهم، ومحاربتهم، وانسلاخهم عن أمة الإسلام يومًا بعد يوم حتى عصرنا هذا، ويزيد كلٌّ منهم على سلفه، حتى زادت كل فرقة منهم خطورة على المسلمين، وانحرافًا عن سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وإن اختلفت مسمياتها في هذا العصر إلا أن تلك الأفكار الباطلة والقائمة على التعامل المنحرف من نصوص الشريعة لا زالت أمة الإسلام تعاينها إلى يومنا هذا، مدّعية -ظلمًا وزورًا- ارتداءها ثوب العلم والثقافة والفكر الحديث، فيغترّ بها كثير ممن خُدعوا بها فيزيدون الأمة تفرقًا وتشققًا، مصداقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم:"يكون في آخر الزَّمان دجَّالون ( [72] ) ، كذّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيّاكم وإيّاهم، لا يضلّونكم، ولا يفتنونكم" ( [73] ) .
إن الفراغ الفكري الذي يُحدثه التعامل الفاسد مع النصوص الشرعية سيدفع مثقفي الأمة ومفكريها من غير المتخصصين الشريعة الإسلامية يبحثون عن سبل أخرى وثقافات بديلة، وهذا البحث أيًا كانت نتائجه لن يكون متفقًا وفلسفة الإسلام وفكره، ولن يكون مبدؤه قول الله -تعالى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125] ؛ وذلك لانعدام وجود ثقافات معاصرة ومدنيات حديثة تتبنى الفكر الإسلامي وفلسفته منهجًا متبعًا لتسيير شؤون حياتهم، وسيفترق القوم كلُّ يبحث عما يناسب هواه، أو مصلحته.
وهذا الفراغ الفكري ناتج عن ترك النصوص الشرعية، وما تحويه من أفكار وثقافات، ومناهج فكرية تبني أسسًا