الصفحة 14 من 33

فَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهَا. هَؤُلَاءِ يُعْرِضُونَ عَنْ نُصُوصِ الْأَنْبِيَاءِ إذْ هِيَ عِنْدَهُمْ لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ وَأُولَئِكَ يَتَأَوَّلُونَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِمْ وَفَهْمِهِمْ بِلَا آثَارٍ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهِ" ( [55] ) ، وقال الحسنُ البصري- رحمه الله-:"أهلكتهم العجمةُ يتأوَّلونه على غير تأويله" ( [56] ) ."

وقد أرشد الله إلى وجوب تلقي النصوص الشرعية من مصادرها، ونبّه المؤمنين لأن ينهلوا شريعتهم من أصولها فقال -عز وجل-: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] ، فالأصل اتباع أصول الشريعة، وتلقيها من أهل الذكر والعلم من الأنبياء والعلماء، ممن تفقهوا في الدين، والرجوع إليهم في كل حال، قال -تعالى-: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا} [النساء: 83] ، حتى إن الله -تعالى- حذّر نبيه - صلى الله عليه وسلم - من التعجّل بالوحي، وأمره بتلقيه على منهجه الذي أراده الله له فقال -عز وجل-: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] ، وذم ما كان يصنعه أهل الكتاب وأحبارهم من ابتداع الشرائع، واتخاذ الرهبان والأحبار مشرّعين وأربابًا من دون الله كما صحّ عن عدي بن حاتم أنه قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في سورة براءة {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] ، قال:"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرّموه" ( [57] ) .

وهذا الانحراف في منهج تلقّي نصوص الشريعة أوقع القوم في فرقة واختلاف في الدنيا، وتبرؤٍ وخلاف في الآخرة حيث قال -تعالى-: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} [البقرة: 166 - 167] .

وأما"استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أمِّيِّين ... ، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله ... ، هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة؛ بل في غاية الضلالة" ( [58] ) ،"وعلى النَّاظر في الشَّريعة والمتكلِّم فيها أصولًا وفروعًا ... ، أن لا يحسن ظنه بفهمه دون أن يسأل فيه أهل العلم به" ( [59] ) .

خامسًا: العجز عن القيام بالدعوة إلى الله والرد على شبهات المبطلين

من أخطر آثار البعد عن التعامل الصحيح مع النصوص الشرعية عدم قدرة الأمة على الدعوة إلى الله بشكل صحيح ومؤثر؛ سواء كانت هذه الدعوة للمسلمين أنفسهم أو غيرهم الأمم الأخرى.

وهذا العجز ناتج عن افتراق الأمة؛ وذلك بسبب اعتقاد بعض منها لكثير من المحدثات التي لم ترد في القرآن والسنة، سواء كانت محدثات في المنهج أو الاعتقاد أو حتى في العبادات، وهذا يتنافى وقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] ، كما إن دخول البدع في دين الله توقع تناقضات في قناعات مفكري الأمة، مما يزيد من افتراقهم وفقدانهم لوحدة ما يدعون إليه، ويزيد وجود التيارات الفكرية المتضاربة في الساحة الإسلامية، سواءً كانت تيارات دعوية أو سياسية أو غيرها، انطلاقًا من قول بعض المعاصرين بأن النَّصُّ المحكم الذي لا يحتمل إلَّا دلالة واحدة لا وجودَ له، وأنَّ أيَّ فهم للنَّصِّ الشَّرعيِّ ينبغي أن يحظى بالاحترام ( [60] ) ، مهما ابتعد هذا الفهم عما نص عليه سلف الأمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت