الصفحة 19 من 33

راسخة تُحفظ من خلالها الهوية الإسلامية، والدين الإسلامي، وتجمع في حظيرتها علماء الفكر المعاصر، ومنظري الأمة المؤثرين في مسيرتها وتوجيه أصحاب القرار فيها، واستبدالها بهوية أخرى تحل محلها وتشغل ثقافات المسلمين بما فيها من فلسفات ومبادئ، بطريقة حذّر منها المصطفى - صلى الله عليه وسلم - حين قال:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ( [74] ) .

ولا شك بأن الثقافة الإسلامية وهويتها تحمل بين طياتها العقائد الإسلامية والأحكام، فضلًا عن الأخلاق والعادات التي طالما كانت مُعتبرة في السلوك المتبادل بين الأمم والشعوب، ومهما كان مدى التشابه بين الثقافة الإسلامية وأي ثقافة أخرى إلا أنهما ستفترقان في مفاصل وأسسًا لا يمكن لأي ثقافة منهما أن تتنازل عنها، وقد حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من التأثر بثقافات الأمم الأخرى، فقال - صلى الله عليه وسلم:"لتتبعُن سَنن الذين من قبلكم؛ شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم" ( [75] ) ، وهذا يقتضي أن يكون فيهم مَن يحرِّفُ الكلمَ عن مواضعه؛ فيغيِّر معنى الكتاب والسُّنَّة فيما أخبر الله به، أو أمر به ( [76] ) .

وقد تحقق ذلك في كثير من المتأثرين بالثقافات الأخرى، سواء كانت قديمة أو معاصرة؛ فلم تكن الرافضة إلا منهجًا فكريًا يحاكي كثيرًا من ثقافات اليهود والمجوس، ولم تأت الجهمية والمعتزلة إلا بثفاقات فلاسفة اليونان والمتكلمين من النصارى، ولم يكن المعاصرون من أتباعهم بمنأىً عما وقع فيه سلفهم، بل هم يرددون كثيرًاَ من الأفكار السابقة بألفاظ ومصطلحات غربية لم تختلف عن سالفاتها إلا بالمسميات، وهكذا فإن تلك الثقافات ساعدت على وجود قناعات أدت في محصولها إلى استحداث عقائد لم تكن معروفة عند السلف، وأدت إلى فقدان الهوية الإسلامية عند هؤلاء، وفرّقت بينهم وبين من سار على منهج السلف الصالح واستقى فكرهم وثقافاتهم، فازدحمت الساحة الإسلامية بكثير من الفلسفات والأفكار، وتضاربت تلك الثقافات، وأوقعت كثيرًا من أنصاف المثقفين -فضلًا عن عوام الأمة- بجانب من التشويش والاضطراب والتشكيك من جهة، وأشعرتهم الفراغ الذي تركه علماء الأمة إثر تركهم التعامل الصحيح مع نصوصهم الشرعية من جهة ثانية؛ فانخدع كثير من المسلمين بتلك الثقافات وصاروا ينادون باسمها غافلين ما ينضوي تحت تلك الثقافات من الانحراف في المعتقد، والخلل في التشريع الذي حذر الله منه في قوله -تعالى-: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63] .

كل ذلك أدى إلى افتراق أصحاب تلك الثقافات من المسلمين عن منهج السلف الصالح، فضلًا عن التناحر الواقع بينهم، تمامًا كمثل الذي وقع في القرن السابق بين ثقافتي الشيوعية والرأسمالية، وما ماجت به أوساط المثقفين من المسلمين ممن تأثروا بهما، إضافة لما وقع بينهما من جهة وبين المنادين بالثقافة الإسلامية من جهة أخرى، أدى ذلك إلى إحداث هوة بين طوائف المثقفين، وفقدان للهوية الإسلامية عند هؤلاء، فوقعوا في محظور قوله -تعالى-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] ، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} . [آل عمران: 100] .

وهذا غاية ما أراد الله -تعالى- من المسلمين أن يتجنبوه.

عاشرًا: تكالب الحاقدين من أهل الديانات الأخرى على المسلمين.

لقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تداعي الأمم على المسلمين كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وذكر أن سبب ذلك لم يكن من قلة العدد، بل من البعد عن الكتاب والسنة، فتكون الأمة كغثاء السيل؛ كثرة في العدد، وضحالة في القوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت