الصفحة 11 من 33

وأمَّا زعمُ بعضهم بأنَّ هذا من التَّجديد في الدِّين الذي أخبر به النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"إنَّ اللهَ يبعث لهذه الأمَّة على رأس كلِّ مائة سنة مَن يجدِّد لها دينَها" ( [35] ) ، فليس بصحيح؛ لأنَّ المقصودَ بالتَّجديد إحياء ما اندرس من معالم هذا الدِّين الذي كان عليه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان، لا الإتيان بدين جديد مخترَع ( [36] ) يتناقض مع ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وأئمة القرون المفضلة.

وقد صدق فيهم قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم:"سيكون في آخر أمتي أناس يحدِّثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيَّاكم وإيَّاهم" ( [37] ) .

ثالثًا: الخلط بين مهام العقل والنص الشرعي في تنظيم حياة البشر

وهذا -مما لا شك فيه- كان من رواسب علم الكلام وما تم ترجمته من التراث اليوناني؛ إذ لم يكن لهذه المسألة قبل ذلك من طرح؛ لأن السلف الصالح ميّزوا بين صلاحيات كل واحد منهما، واكتملت عندهم الصورة المتوازنة لدور كل منهما؛ فالوحي الإلهي طالما رفع من شأن العقل، وأعلى مكانته ( [38] ) .

لكن انحراف كثير من المتكلمين والمناطقة بعد ذلك، والخلط بين مهام الشرع والعقل، وتحييد نصوص الشريعة على حساب العقل المطلق، حاد بهم عن جادة الصواب، وانتهى بهم إلى نتائج بعيدة عن الحقيقة.

ولم يكن الحداثيون والمستشرقون في هذا الزمان ممن أبدع فكرًا جديدًا في هذا، ولم يأتوا بفتح لم يظفر به أحد من قبل، فإنهم ما قاموا إلا باستنساخ كلام متقدمي الفلاسفة والمعتزلة وأهل الكلام، بل إن كثيرًا منهم لم يصل إلى أدنى حدٍّ من الفهم الذي وصل إليه المعتزلة الأوائل؛ لكنهم رددوا عباراتهم وبالغوا في كثير من النتائج التي وصل إليها علماء الكلام؛ فجعلوا الأدلة الشرعية مرتكزة على العقل أولًا؛ لأن به يتميز الحسن من القبيح، وبه يُعرف للكتاب والسنة الحجة، فالله خاطب أهل العقل دومًا ( [39] ) .

وعليه قام معتزلة العصر بنفي أي دليل نقلي مصدّق، وزعموا أن الدليل"لا يعتمد على صدق الخبر سندًا أو متنًا، فكلاهما لا يثبتان إلاَّ بالحس والعقل طبقًا لشروط التواتر، فالخبر وحده ليس حجةً ولا يثبت شيئًا على عكس ما هو سائد في الحركة السلفية المعاصرة على اعتمادها المطلق على:"قال الله"، و"قال الرَّسُول"واستشهادها بالحجج النقلية وحدها دون إعمال الحس والعقل، وكأن الخبر حجة، وكأن النقل برهان، وأسقطت العقل والواقع من الحساب في حين أنَّ العقل أساس النقل" ( [40] ) ، فأسقطوا بذلك -وبكل بساطة- الإجماع على نقل القرآن، كما أسقطوا علوم الإسناد والجرح والتعديل والعلل، وغيرها من علوم الإسلام.

وهكذا يزعم آخرون أن الحقيقة لا تُلتمس بالنقل بل بالتأمل والاستبصار والبحث المنهجي العقلاني؛ لأن الإنسان هو المخول بالتحكم بمصيره وصنع تاريخه، لا النص الشرعي ولا ناقله ( [41] ) .

وقد توسع بهم الأمر إلى نقد علوم الحديث الكاشفة عن صحة الأحاديث وضعفها، واضعين أنفسهم أوصياء عليها، مشككين في قدرات تلك العلوم على العمل بمقتضاها، مقترحين إعادة النظر فيها والعمل على أساس تعديلها، هكذا دون أسس علمية محضة بل قياسًا على ما يعايشه العالم الإسلامي من صراع الحضارات ( [42] ) .

وهكذا أسقطوا أي دليل نقلي، وحمّلوا العقل والتجربة مهمة البحث عن الحقيقة، ونزعوا عن هذه الأمة أهم ما ميزها الله به عن الأمم؛ كعلم الإسناد، ومرجعية الأصول، ومنهج الاتباع، والذي يُعد -حتى حسب منطقهم- على درجة غير مسبوقة من العلم والبحث والتدقيق، وحقلًا زاخرًا بالعلوم العقلية والمنطقية، وهذا وحده يُثبت أن العقل وحده لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت