المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ" ( [13] ) ."
وهل زعم المدّعية خالدة سعيد"أن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه الموروث، ويملك أن يحيله إلى موضوع البحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر في ما اكتسب صفة القداسة، وحق نزع الأسطورة عن المقدس، وحق طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة" ( [14] ) ، أليس هذا إلا اتباع للأهواء التي لم تتفق أبدًا؟!
وهذا البعد عن التعامل الصحيح مع السنة النبوية لا يؤدي إلى الانسلاخ عنها فحسب، بل إنه انسلاخ -أيضًا- عن قول الله -تعالى-: {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4] وأمثالها من الآيات الموصية باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهجه، وهذا الانسلاخ عامل مباشر لتفرق الأمة وتنازعها.
ومن جهة أخرى فإن التعامل الفاسد مع النصوص الشرعية سيؤدي في نهاية المطاف إلى تأويل تلك النصوص بالطريقة التي أُولت بها الكتب الدِّينيَّة المحرّفة في اليهوديَّة والمسيحيَّة تحت اسم الهرمنيوطيقا ( [15] ) (Hermeneutics) والذي انتهى المآل بالمؤولين إلى تأكيد تاريخية النَّصّ المُقدَّس، مما يؤدي إلى نقده وإبطال حجيته الأمر الذي يُفقد أهم عوامل توحد الأمة والتحامها على مرجعية موحدة، باعتبار أن النصوص الشرعية لا بد من"النظر إليها من دون إحالتها لا إلى مؤلفها ولا إلى الوقع الخارجي" ( [16] ) ، فكيف لها أن تكون -بعد ذلك- عاملًا موحدًا للأمة؟!
بينما في المفهوم الإسلامي والذي لطالما جمع كلمة المسلمين على مر العصور لم يكن إلا متمثلًا في القرآن والسنة غير خاضع لتغيرات الزمان أو المكان إلا ما اقتضته متطلبات تنزّل النص على الواقع؛ ذلك لأن الزمان والمكان مخلوقان بينما النصوص الشرعية ما هي إلا صفة من صفات المخاطِب الذي هو الله -عز وجل-، وهو متعالٍ عن سلطة الزمان والمكان.
من أهم الآثار المنضوية خلف البعد عن التعامل الصحيح مع النصوص؛ الانحراف عن المنهج القويم الذي عمد إلى العمل به سلف هذه الأمة فضلًا عن عمل نبيها، وهذا الانحراف أحدث خللًا في منهجية البحث والاستدلال في النصوص الشرعية الذي طالما كان محل اتفاق لدى المتقدمين، وأحدث شرخًا في إجماع الأمة على تلك الأصول الفقهية أو العقدية أو غيرها مما يُستنبط من خلاله أحكام الشريعة، ولا يسع أحد الخروج عن حدودها عند التعامل السوي مع نصوص الشرع، وإن اختلف بعضهم في فرعيات هذا المنهج إلا أن عمومه كان حجة بينهم عند الخلاف، وهذا التعامل الصحيح مع النصوص وفهمها والاستدلال بها ضمن أصول وقواعد ثابتة ساعد في توحيد عقول المسلمين قبل صفوفهم.
إلا أن التعامل الفاسد مع نصوص الشرعية أدى عند البعض إلى الانحراف عن هذا المنهج المتبع عند سلف الأمة ومتبعيهم، مصداقًا لما وصفه الله -تعالى- لأمثال هؤلاء في كتابه حيث قال: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الجمعة: 5] ، وادّعى الرويبضة أن القرآن والسنة نص غامض، ومباينة بواطنه لظواهره، وادّعوا أن هذا النص حجاب"لا يقول الحقيقة بل يخلق حقيقته"، ولا ينبغي الوثوق به ثقة مفرطة؛ لأنه يحجب الحقائق المطلقة التي يجب أن نفكر فيها، وبناء على ذلك أصبحت"استراتيجية النَّصّ تقوم على جملة من الألاعيب والإجراءات يمارس الخطاب من خلالها"