منذ فجر الإسلام، وانتشار الفتوحات الإسلامية، وما سبق ذلك من ظهور شوكة الإسلام في المدينة، قبل وفاة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، بدأ الحاقدون على هذا الدين، والمنافقون من أهل الكيد على الإسلام، بالتطاول على كتاب الله -تعالى- وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وتابعهم على ذلك فلول اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم ممن أطفأت جذوة الحق ظلمات عروشهم، وطهرت عقيدة التوحيد انحرافات عقولهم وقلوبهم.
فظهر في صفوف المسلمين من تأثر بتلك المكائد مظاهَرة لأولئك المنحرفين، ومضاهاة لأفكارهم، أو تأثرًا بما يقولون عن غير عمد، فأنتج ذلك كله انحرافات في التعامل مع نصوص الشرع، وبعدًا عن جادة الصواب.
وساعد على ذلك تلك الانحرافات الناتجة عن جهل في المنهج، أو سوء في التطبيق عن غير تأثر بالغير، أو تحامل على أمة الخير.
فكان لذلك البعد آثاره الجلية في تفرق كلمة المسلمين، وانقسام صفوفهم، مما ساعد على ضعف بنيانهم المرصوص وتداعيه، وتطاول الحاقدين على اختراق حرمة عقولهم بالتشكيك والتشويش، ومحاولة سلب الركن الوحيد لوحدة المسلمين، وهو اجتماعهم على دين واحد واتباعهم لمنهج واحد.
ونجمل هذه الآثار بما يأتي:
أولًا: الانسلاخ عن نصوص الشرع وترك مرجعيتها
لقد جمع الله -تعالى- عباده على وحدانيته وعبادته منذ خلق آدم، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ فقال -عز وجل-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] ، فكان تعبّد الله مشروطًا باتباع شرعه ومنهاجه، مأمورٌ به كما قال -عز من قائل-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] ، فعُلم بهذا أن صراطه -سبحانه- هو العمل بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، والإيمان بكل ما جاء به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من العلوم النافعة، والأخبار الصادقة، والشرائع والأحكام، ظاهرًا وباطنًا، واتخاذها مرجعية مطلقة، ودستورًا عامًا لجميع قضايا الأمة السياسية والاقتصادية والعبادات والقضاء وغيرها، والانطلاق من خلالها بالقياس على ما جدّ من أحكام ووقائع، وإهمال غيرها من القوانين والتشريعات والأديان.
وبهذا حقق السلف معنى كلمة الاعتصام بالكتاب والسنة، وبقي النص الشرعي هو ما يجمع كلمة الأمة، والمرجع الذي يُحتكم إليه عند النزاع سواء في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعد مماته؛ ولهذا قال -تعالى-: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] ، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] ، فالطاعة لله وللرسول - صلى الله عليه وسلم - مطلقة، وأما طاعة غيرهما كأولي الأمر وغيرهم فمشروطة بغير معصية الله ورسوله، وحين التنازع مع ولي الأمر أو سواهم كان مردّ