المؤمنين إلى نصوص الشريعة؛ وبسبب ذلك الاتباع المطلق بقي النص الشرعي -قرآنًا أو حديثًا- قادرًا على أن يجد الحلول المثلى والكلمة الجامعة للأمة على جميع الأزمان بالرغم مما طرأ عليها من متغيرات وتطورات، وإن اختلف البعض في الفهم والاستنتاج، إلا أنهم اتفقوا جميعًا على المنهجية والمرجعية، ولم ينسلخ أحد عن النص احتجاجًا أو استدلالًا.
وقد وقع في شَرك التعامل الفاسد مع النص من خالف من المعتزلة ممن زعم خلق القرآن، وأثر على قدسية النص، وترك المجال للحداثيين وغيرهم للهروب من الاعتصام به لزوم اتباعه، وصلاحه لكل زمان ومكان، مما جعله مدعاة لإعادة دراسة نصوصه ونقدها ونقضها، فزعموا أنه -كالعقل- مخلوق ولا سلطة لأحدهما على الآخر؛ لأنه"نتاج بشري، وعلى مواضعاتها وطرائقها نزل الكلام الإلهي" ( [8] ) ، فوقعوا فيما وصفه الله -تعالى- في قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176] .
ولهذا يؤمن أهل السنة أن هذا الكلام صفة من صفات الله تعالى، فهو أول ليس بحادث، وآخر له خلوده، مطلق الصلاحية لفظًا ومعنى.
فضلًا عن اعتقاد كثير من الحداثيّين أنَّ نصوص الشريعة تراث أكثر من أن تكون وحيًا، كما ذكر الفيلسوف -الجزائري الأصل- محمد أركون -مسؤول الدِّراسات الإسلامية في جامعة السوربون بفرنسا- في معرض ردّه على من يصفهم بالمتشددين أنهم"يعتقدون أنَّ التُّراث (السُّنَّة) ينبغي أن تتغلب على كُلّ بدعة". واعتبار السُّنَّة تراثًا يتطلب تجريدها من سماتها الخاصة التي جعلت منها مصدرًا ثانيًا للشريعة الإسلامية. ويستلزم من ذلك اعتبار السُّنَّة مجرد خطاب أو نص ظهر في التَّاريخ لمهمة خاصة ليس لها طابع الديمومة ( [9] ) .
واعتبر أن تدوين السُّنَّة إرهاصًا من إرهاصات تشكل"أرثوذكسية"على حد تعبير أركون، حيث يقول:"ثُمَّ راحت الأرثوذكسيات الكبرى تتشكل تاريخيًا عن طريق تأليف كتب الحديث أو الصحاح، أقصد الأرثوذكسية السنية والأرثوذكسية الشيعية والأرثوذكسية الخارجية"! ( [10] ) ، كما سعى غيره إلى وضع السنة في موضع حجب الحقائق، وإقصائها عن مصدرية تبليغ أسس العقيدة الصافية، واتهامها بأنها:"خطاب أحادي قائم على الحصر والاستبعاد والإدانة والإقصاء ..." ( [11] ) .
وكل ذلك ساعد على افتراق الأمة، وتشرذمها نتيجة البعد عن التعامل الصحيح الذي يقود على الوحدة والالتئام، فلا سبيل لمثل هؤلاء أن يتقاطعوا مع من اتخذوا القرآن والسنة منهجًا؛ فضلًا عن اتفاقهم هم أنفسهم أو انصهارهم في بوتقة الوحدة والاعتصام.
فأنى تتفق الأمة مع فكر شحرور الزاعم أن"المشكلة -عنده- تأتي من زعم الفقهاء أنَّ حلال محمَّد [صلى الله عليه وسلم] حلالٌ إلى يوم القيامة، وحرام محمَّد [صلى الله عليه وسلم] حرام إلى يوم القيامة، وتأتي من اعتبارهم أنَّ القرارات النَّبويَّة التنظيمية لها قوة التنزيل الحكيم الشامل المطلق الباقي، ناسين أنَّ التحليل والتحريم محصور بالله وحده، وأنَّ التقييد الأبدي للحلال المطلق يدخل حتمًا في باب تحريم الحلال، وهذه صلاحية لم يمنحها تعالى لأحد بما فيهم الرُّسُل" ( [12] ) ، وكل ذلك مخالف لمنهج محمد - صلى الله عليه وسلم - ووصيته لما قال:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين"