رباني بدلًا من تفرقهم على هوى شيطاني، كما قال رسوله - صلى الله عليه وسلم:"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" ( [61] ) ، خلافًا لما زعمه الترابي في قوله:"وكلُّ التُّراث الفكريّ الذي خلَّفَه السَّلَفُ الصَّالحُ في أمور الدِّين هو تراثٌ لا يُلتَزَم به؛ وإنَّما يُسْتَأْنَسُ به" ( [62] ) .
وقد سار علماء الإسلام المعاصرين على المنهج الرباني الصحيح، فصاغوا منهجية سلفهم ضمن أُطُر عصرية منضبطة، تستوعب جهود السابقين، وتضيف ما يتناسب وعصرهم، وتحاول إيجاد أحكامًا مناسبةً لكل ما هو حادث، وتعمل على هيكلة العصر من خلال منهج إسلامي متوازن ومتكامل؛ لذلك وجدنا -عند السلف- كثيرًا من المؤلفات ذوات المواضيع المستقلة سادت بعض العصور، تعالج مواضيع لم تكن عند أسلافهم؛ تفصل منها ما أُبهم، وتضيف ما لم يكن له حكم شرعي، وهذا يؤكد شمولية الإسلام وصلاحه لكل زمان ومكان، الأمر الذي عجزت عن استيعابه ومواكبته جميع الأديان الأخرى، مما جعلها أديان منغلقة ومنحسرة في فئة معينة أو زمان ومكان محددين، خلافًا لما أدعاه ذلك الكاذب على الشريعة لما قال:"إنَّ القولَ أنَّ هناك حقيقةً إسلاميَّةً مثاليةً وجوهريةً مستمرة على مدار التاريخ وحتى اليوم، ليس إلا وهمًا أسطوريًا لا علاقةَ له بالحقيقة والواقع" ( [63] ) .
فعَمَدَ علماء القرآن على دراسة علوم القرآن والتوغل فيه لفهم النصوص واستنطاقها، واستخراج الأحكام والمناهج التي تناسب عصرهم، كما عكف علماء السنة والفقه وعلوم الشريعة للنظر في علل النصوص وأسباب ورودها وتعاملوا معها ضمن منهجية منضبطة أدت إلى إفراز منظومة من الأحكام والقواعد، والتي عملت على توحيد الأمة في ظلالها، وحمتها من التشقق والافتراق، واتباع الأهواء والشبهات، فحفظوا -بحسن تعاملهم مع نصوص الشريعة- على وحدة الأمة الإسلامية واجتماعها من خلال إيجاد أحكامٍ شرعيةٍ صحيحة، شق المسلمون من خلالها طريقًا واحدًا للتعامل من مسائل العصر، وتركوا التشرذم في أخاديد الاختلافات الفقهية غير المعتبرة، والاجتهادات غير المؤهّلة، والفهم السقيم لآيات الله -تعالى- وهدي نبيه - صلى الله عليه وسلم - خلافًا لبعض مدعي فقه الشريعة من الحداثيين الذين تحدثوا بغير فنهم فأتوا بالعجائب، كما فعل شحرور في تفسير قوله -تعالى-: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] : أي: كفُّوا أيديَهما عن السَّرقة بالسِّجن مثلًا ( [64] ) ، فهذا تقصير جلي في إصدار أحكام صحيحة، وتحريف واضح للفقه الإسلامي الحنيف.
سابعًا: تولّد التعصب والتشدد وسوء التعامل مع الخلاف ( [65] ) .
من أهم أسباب ظهور التعصب والتشدد في الدين، عدم التعامل مع النصوص الشرعية بطريقة صحيحة، والبعد عن استيعابها وإدراكها والتعامل مع مقصدها التي وضعت له، وهذا يؤدي إلى فقدان فقه الخلاف، ومعرفة ما يمكن أن يُقبل فيه الرأي الآخر وما لا يمكن، وتختلط الأمور على كثير من الناس في المساواة بين كل الآراء الدينية في الولاء والبراء، والمولاة والمعاداة، وما يجوز الخلاف فيه وما لا يجوز، ومتى يُعذر المخالف ومتى لا يُعذر، والحكم المناسب لكل مخالف، فيُتهم بالفسق أو الكفر أو التبديع كثير ممن يمكن للنص أن يحمل أمثاله، فيُقرّق بين المسلمين بناء على سبب غير واقع، ويحكم على أطراف الخلاف ممن لا علم عنده بقواعد الشرع ومقاصده، أو ممن لا يمتلك مفاتيح العلم ولا يحسن أحكام فقه الخلاف، وأحكام التعامل مع العلماء وولاة الأمور، ويجهل تقييم الأمور وتقدير الأحكام عند اختلاف أحوالها؛ كالضرورات والفتن والحروب وغيرها من الأحوال التي تؤثر على الأحكام الفقهية، وقبول الخلاف أو رده، ومعرفة فقه الأولويات فيُقدم المهم على الأهم، ويجهل تقدير المصالح متى تُجلب، والمفاسد متى تُدرأ، ومتى