الصفحة 3 من 33

الحمد لله الذي جمع المؤمنين على حبله المتين، وألف بين قلوبهم بنبيه الأمين، صلى الله عليه وعلى آله والتابعين، ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، وبعد:

فإن الفرقة الناجية، هي التي وصفها النبي - صلى الله عليه وسلم - باقتدائها لما كان عليه وأصحابه، من الاتباع للكتاب والسنة، والتعامل معهما بفهم سلف الأمة، دون مدعاة للفرقة والخلاف، مصداقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم:"كلهم في النار إلا ملة واحدة ... ما أنا عليه وأصحابي" ( [1] ) .

لذا كان من أهم عوامل اجتماع المسلمين، حسن الاتباع والعمل به، ونبذ الابتداع والتحذير منه، ولو لم تجتمع أمة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - على ما اجتمع السلف عليه، فلن يجمعها دينار ولا درهم، كما قال -تعالى-: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنِهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63] ، ولن يصلُح آخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها.

فكتاب الله وسنة نبيه هما القاسم الوحيد المشترك بين المسلمين مهما اختلفت أصولهم وعقولهم ولغاتهم، والتعامل معهما على النهج السوي، هو المسلك الوحيد للاعتصام به والالتفاف حوله، والعض عليه بالنواجذ.

أما التعدي على النصوص الشرعية بالتعطيل والتحريف، أو التأويل الفاسد لمتشابهها، وتعدد الآراء المبنية على الأهواء، وسوء الفهم فيما لا يصلح فيه الخلاف أو يقبل فيه الاجتهاد، واختلاف المناهج في أصول الدين التي لا يسع فيها الخلاف فهذا مدعاة للفرقة والتشرذم، وسبيل للهلكة في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

لذلك شدّدت نصوص الشريعة من الكتاب والسنة على التزام سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحذّرت من إقصائها أو التخلي عنها؛ كما قال -تعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر: 7] ، فجعله طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من طاعته، وعصيانه خروج عن أمر الله، ثم أتبع ذلك بتقوى الله ليُشعر القارئ بأن اتباع هدي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من تقوى الله، مما يؤكد على أنه الكتاب والسنة صنوان لا يفترقان؛ ومثل ذلك كثير في كتاب الله -تعالى- فقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] ، كما حذر المؤمنين مفارقة أمره ومخالفة نهجه فقال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ، وقال: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 63] ، وجعل هداية البشر إلى الحق مشروطة بطاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال: {وإن تطيعوه تهتدوا} [النور: 54] ، ومثل ذلك كثير في كتاب الله.

وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" ( [2] ) .

وعن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - أنَّ رجلًا أكل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشماله، فقال:"كل بيمينك"، قال: لا أستطيع، قال:"لا استطعت"! ما منعه إلاَّ الكبر، قال: ما رفعها إلى فيه" ( [3] ) ، والأحاديث في ذلك كثيرة أيضًا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت