الصفحة 15 من 33

وهذا يزيد في انشقاق الصف المسلم ويُضعفه، وتصبح الدعوة إلى الله وكأنها ليست دعوة لدين واحد؛ لأنها أصبحت -عند أصحابها- دينًا يُوالى عليها ويُعادى، ويُتساهل -مع مرور الزمن- إنكارها، فيصير الدين -مع تلك البدع والأهواء- أديانًا، وتصبح الأمة طوائف وأحزابًا، وتزرع -إثر ذلك- بذور الافتراق وجذور التحزب والتخالف، وتُشغل العلماء عن الدعوة إلى الله -تعالى- ودرء شبهات الكفار.

ومن جهة أخرى فإن ترك التعامل الصحيح مع النصوص الشرعية يقود إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك مناصحة المسلمين لبعضهم، ولأئمتهم وولاة أمورهم، وتستبدل بمداهنتهم في الدين، وتقديم المصالح الشخصية -عند أصحاب الفكر الدعوي- على المصالح الدينية، والتحيز لقناعاتهم في تفسير النصوص الشرعية، والتضحية بكثير من المصالح الشرعية لتحقيق تلك القناعات، الأمر الذي يوقع عوام المسلمين في اضطراب وحيرة وتشويش، وفقدان الثقة بالدعاة إلى الله؛ لعجزهم عن تمييز أصحاب الصراط السوي منهم، واستفحال الشبهات وكثرة الآراء المتفرقة والاتجاهات المتناحرة، مما يُضعف شوكة الإسلام، ويزيد الفساد في الأرض، ويوقع الأمة في الذل والهوان وإفساد ذات البين وترك الجهاد في سبيل الله الذي هو من أعظم أبواب الدعوة إلى الله، ويزرع اليأس في نفوس الدعاة وغيرهم من علماء الإصلاح ومن حولهم، ويذهب بخيرية هذه الأمة التي ذكرها الله في قوله -تعالى-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 110] ، كما أنه يحقق فيها أسباب البلاء والنقمة والعذاب، كما جاء في قوله -تعالى-: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] ، ويرفع إعذار الله لها كما في قوله -تعالى-: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164] .

ولو كانت الأمة متبعة لكتاب ربها وسنة نبيها حق الاتباع، واتبعت طريقًا واضحًا ومنهجًا قويمًا مقتفيًا لمنهج السلف في فهم النصوص الشرعية، والعمل بها، وحسن التعامل معها لكانت على ما كانوا عليه، ولبقيت دعوة الله قائمة، وحجته بالغة، وأمة الإسلام على منهج وصراط قويم.

سادسًا: جمود الفقه الإسلامي والتقصير في إصدار أحكام صحيحة لما استجد من الحوادث

إن التعامل الصحيح من النصوص الشرعية، والذي ساد عصر الصحابة والسلف الصالح، وما واكب تلك الأزمان من تطور للعلوم وتجدد للأحكام كان له الأثر الواضح في مسايرة الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان، وملأ الفراغ الشرعي لجميع الأحكام، مهما كانت الوقائع والأحداث، واستجدت المسائل والحوادث، فكان ذلك عاملًا قويًا في الحفاظ على تجدد الفقه الإسلامي، وإبقائه حيًا معمولًا به، ومتطلبًا أساسًا في حياة الأمة، وأبقى الإسلام وفقهه وشريعته ونظامه صالحين لكل زمان ومكان، مهما اختلفت ظروف العصر، أو أحوال الأمم وأجناسها ومدى ثقافاتها وعلومها وأحوالها؛ لأن تعامل العلماء مع ما ورثوه من نصوص الشريعة، وتفقههم فيه جعل الناس تبع لما يصدرونه من أحكام، وبقوا بحاجة إلى من يستنبط لهم شرائعهم وقوانين حياتهم، وقد أمر الله -تعالى- بحسن التعامل مع نصوص الشريعة والتفقه فيها ليكون في الأمة من يجمع كلمتها ويوحد صفها فقال -عز من قائل-: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] ، وجعل التفقه في الدين واستنباط الأحكام من أسس التعامل الصحيح والطريق الصواب لجمع الأمة على دين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت