يستطيع أن يحكم على الأشياء والأفكار؛ لأن المستندات العقلية التي يتبعها الحداثيون هي في الأصل منقولة لديهم، فهم في دوامة النقل شاؤوا أم أبوا.
فضلًا عن غفلتهم -أو تغافلهم- عن أن الرجوع إلى النصوص الشرعية وإعمالها، هو في الأصل أمر عقلي؛ لأن التجربة الواقعية، والأحكام العقلية، كلها تثبت أن اتباع النصوص الشرعية يؤدي إلى أن نتائج إيجابية في حياة البشر، وقرون التاريخ الإسلامي تدعم ذلك، ولا يلزم إعمالُ العقل الخروجَ على تلك النصوص ونبذها، وأن من التزم بالنص الشرعي فقد أبطل عقله.
فقد أمر الله -تعالى- بشدة أن يستخدم المرء عقله بالشكل الصحيح، وحثّ الناس بأن يزِنوا الأمور بعقولهم فقال في ذلك: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] ، وأمثال هذا كثير في كتاب الله -تعالى-، فضلًا عن جعله العقل مناطًا للتكليف؛ تقوم الحجة به، وتسقط بغيابه غيابًا أصيلًا أو مؤقتًا كالمرض وما شابهه، وعليه إجماع علماء الأمة، كما جاء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"رفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق أو يعقل، وعن الصبي حتى يحتلم" ( [43] ) ، ومردّ الثلاثة إلى العقل وفقدان استخدامه جزئيًا أو كلّيًا، فعوّل الإسلام على عقل الإنسان وقدرته على المفاضلة بين البدائل واختيار أحسنها؛ لكن العقل -وحده- عاجز عن إدراك الغيبيات كافة، خلافًا للشرع الذي مصدره يستوي عنده السر مع العلانية.
ولو كان للعقل سلطة على النصوص الشرعية والحكم عليها لما كان للشرع من فائدة؛ لأن الشرع لم ينزل إلا على أناس عاقلين، فما فائدة نزوله ما دام العقل قادرًا على الوصول إلى حاجات الإنسان ومتطلباته؟ وهذا يوصل القوم إلى إحدى نتيجتين؛ فإما أن يكون الشرع له السلطة المطلقة على العقل من ناحية التشريع، أو أن يكون للعقل السلطة الفعلية وأما وجود الشرع فهو عبثية لا طائل من وجودها، فنبذها والتخلص منها أولى، وقد انتبه السلف لهذا الانحراف فقال عمر بن الخطاب:"إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنة أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا" ( [44] ) .
وقال علي بن أبي طالب:"لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه" ( [45] ) .
وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة من يقيسون الأمور برأيهم، فيحلون الحرام، ويحرمون الحلال" ( [46] ) .
قال الإمام الذهبي:"إذا رأيت المتكلم المبتدع يقول: دعنا من الكتاب والأحاديث الآحاد وهات العقل، فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول: دعنا من النقل ومن العقل، وهات الذوق والوجد فاعلم أن إبليس ظهر في صورة بشر أو قد حل فيه" ( [47] ) .
رابعًا: ظهور الخلل في منهج تلقي النصوص الشرعية والعمل بها ( [48] )
لقد أدى الانسلاخ عن نصوص الشريعة وترك مرجعيتها، وما لحقه من انحراف منهج الفهم والاستدلال لتلك النصوص إلى ظهور هوّة من الفراغ الديني والفقهي لدى كثير ممن زعموا تراثية النصوص الشرعية.
وهذا الفراغ في التشريع دفع القوم على البحث عن مصدر آخر للتشريع، والاستناد إلى نصوص واستدلالات مُحدَثة؛ وذلك نتيجة بعدهم وتركهم المنهج الصحيح للتعامل مع النصوص، فأحدثوا -بذلك- شقًا بين مفكري الأمة