الصفحة 17 من 33

تقدم المصالح الكبرى على غيرها، ومتى يُتجاوز عن بعض المفاسد لتجنب مفسدة أعظم منها؛ فيقع -إثر ذلك- افتراق للأمة لا مبرر له، وذلك نتيجة التعامل الفاسد مع نصوص الشرع، مخالفين بذلك وصية الله -تعالى- في اعتصام الأمة وترك العصبية والتحزب في قوله:"مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ". [الروم: 30 - 31]

ويقتضي سوء التعامل مع الخلاف الناتج عن التعامل الفاسد مع نصوص الشريعة؛ ظهور التشدد في أحكام الشريعة، والتحجّر في المواقف تجاه الآخرين، والتعامل معهم على منهج بعيد عن قواعد الشرع ومقاصد الإسلام، فيحدث إثر ذلك انشقاق وتنازع وتنافر، وتحاسد وتباغض بين صفوف الأمة الإسلامية، يقول يونس الصدفي:"ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا، ولقيته فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة، قال الذهبي:"هذا يدل على كمال عقل هذا الإمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون" ( [66] ) ، ولهذا لم يجُز الإنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع ( [67] ) ."

ولولا ذلك لذهبت كثير من مقاصد الشريعة؛ كالتيسير على الناس وإحسان الظن بالمسلمين، والإشفاق عليهم والإحسان لهم، والنصح والعفو عنهم، والتماس الأعذار لهم، وهذه أصول منبثقة من النصوص الشرعية، وفقهها والعمل بها، فمن تركها أو أساء التعامل معها سبب صدعًا في بنيان الأمة المرصوص، وبات عاملًا لفرقة الأمة وتفرقها وخالف قول الله -تعالى-: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46] ، وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم:"إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا" ( [68] ) .

بل يُتبع في ذلك هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن كان على سنته من العلماء المهتدين، ويُتجنب في ذلك التسرع في إطلاق الأحكام، وتخطيء المخالف أو تفسيقه أو تكفيره؛ وبسبب ذلك ظهرت كثير من الفرق التي سببت في انشقاق المسلمين واقتتالهم؛ كالخوارج ومن تبعهم من الفرق الأخرى، الذين وصفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهم"حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم" ( [69] ) .

كما يؤجج ذلك نار المذهبية والعصبية والعرقية، وأسباب القبلية والحزبية، أو ما يظهر من شعارات منافية للإسلام على ألسنة بعض أدعياء الثقافة والفكر المعاصر، والدعوة إليها باسم الدين، بعيدًا عن علماء الإسلام، وعلوم الشريعة، فيشق -بذلك- عصا المسلمين، ويتركهم في تناحر وتنافر، مخالفة لوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال:"مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ" ( [70] ) ، كما يخالف أصحابه -بذلك أيضًا- إحدى المصالح الكبرى التي من أجلها أنزل الله شريعة، وهي اجتماع الأمة وتوحيدها على دين واحد، وكتاب واحد، وشرع واحد، ويرجع بهم على جاهلية عمياء، وقبائل متفرقة.

ثامنًا: تطاول رؤوس الفتن وأهل الأهواء وتجرؤهم على دين الإسلام.

إن الضعف الظاهر على المسلمين نتيجة بُعدهم عن شريعتهم التي تُشكل مصدر قوتهم، وتركهم لأسباب الثبات المنهجي والعقدي، والمرجعية الفكرية والدينية من خلال عدم التعامل مع مصادر تلك التشريعات، والمتمثلة في الكتاب والسنة الصحيحة، كل ذلك يفتح بابًا لأعداء الدين ورؤوس الفتنة، وأهل الأهواء، والمنافقين ليتجرؤوا على أمة الإسلام، ويُعملوا فيها أسباب الفرقة والانشقاق، ويبحثوا في النصوص الشرعية عن تأويلات وشبهات تدعم ما انحرفوا به من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت