وعلمائها من جهة، ومدّعي تطويرها وحداثتها من جهة أخرى.
فأدى ذلك إلى نبذهم مناهج تلقي الشريعة الإسلامية التي أُثرت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين، وعلماء الأمة السالفين، وخالفوا وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال:"قد تركتُكم على البيضاء ليلُها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلَّا هالكٌ" ( [49] ) .
فأحدثوا نظريات أفقدتهم صفاء علومهم عن الكذب والخطأ، وحرفتهم -نتيجة ذلك- عن العمل بما أمر به الشرع وأراده، فضلًا عن عدم اعترافهم بالاقتداء بسلوك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخلاقه وتعاملاته وغير ذلك مما ورد عنه، وعدّوا اقتداء الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- ومن تبعهم إلى يومنا هذا من العبثية التي لا داعي لها ولا مبرر.
من جهة أخرى، فقد انحرف قوم آخرون عما أراده الله -تعالى- من متطلب العلم والعمل معًا، وغفلوا عن قول الله تعالى: {وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] ، فتركوا حسن التعامل والسلوك وظنوا أن الدين مقتصر على الحفظ والعلم، ولو كان الأمر كذلك لكان أخذ العلم أولى عن بعض المستشرقين ممن يحفظون الفقه الإسلامي، ويستظهرون القرآن الكريم وكتب الصحاح، بل لكان أعلم خلق الله إبليس!
لكن ذلك لا يتسنى إلا بحسن التلقي للشريعة الإسلامية كما تلقها السلف عن سلفهم، والصحابة عن نبيهم، وما تحقق من اتخاذ القدوة من الأئمة والعدول الثقات منابع للعلم والفكر والدين والسلوك، والتسليم بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة، وما يلحقهما من مصادر الشريعة الأخرى، عملًا بوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ عضوا عليها بالنواجذ" ( [50] ) ، قال الشافعي:"أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحل له أن يدعها لقول أحد" ( [51] ) ، وقال علماء السلف:"السنة العمل بالكتاب والسنة والاقتداء بصالح السلف واتباع الأثر" ( [52] ) ، مصداقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده، والناس أجمعين" ( [53] ) ، فيؤخذ كل ما جاء به على مبدأ التسليم والإذعان، على خلاف غيره من الثقافات والأفكار والأدبيات التاريخية والمعاصرة فيكون التعامل الصحيح معها من باب تعامل المنتقي، وليس التلقي المطلق، أو الاستسلام الفكري التام، ونبذ ما لم يصح من البدع والأكاذيب وإملاءات الأهواء، وما يناقض أو ينافي أو يعارض أو يلغي شريعة الله أو جزءًا منها، وترك ما انحرفت به أقلام المعتزلة والرافضة وغيرهم من المبتدعة ممن اعتمدوا على كتب الكلام وما كذبوه على الأئمة المعصومين!، وترك ما نطقت به أفواه أهل الكلام، وما تأولته الفلاسفة برأيهم وعقولهم، وما زعمه المستشرقون والحداثيون مما لم يكن له أصل شرعي؛ ولذلك قال ابنُ عبَّاس - رضي الله عنه - لأسلاف هؤلاء لما ناظرهم:"أتيتكم من عند أصحاب النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين والأنصار، ومَن عند ابن عمِّ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وصهره، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلمُ بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحدٌ" ( [54] ) .
قال شيخ الإسلام:"وَلِهَذَا تَجِدُ الْمُعْتَزِلَةَ وَالْمُرْجِئَةَ وَالرَّافِضَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِرَأْيِهِمْ وَمَعْقُولِهِمْ وَمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ اللُّغَةِ؛ وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى أَحَادِيثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلَا يَعْتَمِدُونَ لَا عَلَى السُّنَّةِ وَلَا عَلَى إجْمَاعِ السَّلَفِ وَآثَارِهِمْ؛ وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى الْعَقْلِ وَاللُّغَةِ وَتَجِدُهُمْ لَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورَةِ وَالْحَدِيثِ؛ وَآثَارِ السَّلَفِ وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى كُتُبِ الْأَدَبِ وَكُتُبِ الْكَلَامِ الَّتِي وَضَعَتْهَا رُؤوسُهُمْ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَلَاحِدَةِ أَيْضًا؛ إنَّمَا يَأْخُذُونَ مَا فِي كُتُبِ الْفَلْسَفَةِ وَكُتُبِ الْأَدَبِ وَاللُّغَةِ وَأَمَّا كُتُبُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْآثَارِ؛"