يقتضي الوجوب ابتداء ولا يحمل على غيره إلا بقرينة صارفة لأن الشارع حين أمر المكلف أراد منه الإطاعة وإطاعة الشارع واجبة، وذهب غيرهم إلى أنه يقتضي الندب في الأصل [1] ولا يحمل على غيره إلا بقرينة لأن الشارع لا يأمر إلا بخير والخير مندوب إليه على وجه العموم، فإذا جاءت قرينة تحمله على الوجوب كان مقتضيًا له بها وإلا بقي على أصله، وذهب آخرون [2] إلى أنه لا يقتضي ابتداء وجوبًا ولا ندبًا لتردده بين الوجود والندب والإباحة وإنما بعرف اقتضاؤه بما يلابسه من القرائن والاعتبارات المرجحة للمقتضى الذي أراده الشارع من واجب أو مندوب أو مباح.
وقد ترتب على اختلاف الأصوليين في هذه المسألة الأصولية اختلاف الفقهاء في كثير من الفروع الفقهية كاختلافهم في الإشهاد على المراجعة هل هو واجب أو مندوب؟ فقال الشافعية بوجوبه محتجين بقوله تعالى: (( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ) )أي على الإمساك وهو المراجعة، وقال المالكية والحنفية: لما كانت المراجعة لا تتوقف على القبول فلا تتوقف على الإشهاد والأمر بالإشهاد هنا محمول على الندب للتوثق كما في سائر الحقوق المقبوضة.
وكاختلافهم في غسل الإناء من شرب الكلب هل هو واجب أو مندوب لقوله - صلى الله عليه وسلم - (( إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسلْه سبع مرات ) ) [3] فذهب
(1) مذهب ضعيف ذهب إليه أبو هاشم الجبائي وبعض أصحابه من المعتزلة.
(2) كأبي حامد الغزالي وسيف الدين الآمدي والقاضي أبي بكر الباقلاني وصرح الإمام الشافعي في كتاب (( أحكام القرآن ) )بتردده بين الوجوب والندب.
(3) حديث (( إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات ) )رواه مالك وأحمد والشيخان عن أبي هريرة وجاء في بعض رواياته ولغ بدل شرب ومعنى الولوغ الشرب بطرف اللسان شأن الكلاب عادة.