الشافعية والحنفية والحنابلة إلى الوجوب لأنهم رأوا الأمر يقتضيه لنجاسة سؤر الكلب عندهم تبعًا النجاسة لعابه، وذهب المالكية إلى الندب وإلى أنه تعبدي غير معلل لأن سؤره طاهر عندهم تبعًا لطهارة لعابه وطهارة عينه أيضًا ويستدلون على طهارة لعابه بقوله تعالى: (( فكلوا مما أمسكْنَ عليكم ) )ويقولون لو كان لعابه نجسًا لتنجس الصيد بمماسته، وعددُ مرات غسل الإناء يؤيد ما ذهبوا إليه من عدم نجاسة سؤره لأن النجاسات لا يشترط في غسلها العدد.
هذا ويتعلق بالأمر تسع مسائل رئيسية ينبني عليها كثير من الأحكام الفقهية:
المسألة الأولى: هل الأمر بالشيء يقتضي المبادرة إليه أم لا يقتضيها؟
اختلف في ذلك الأصوليون واختلف أيضًا الفقهاء في بعض فروع الفقه المبينة على هذا الأصل كاختلاف الإمامين أبي حنيفة والشافعي في فريضة الحج هل هي على الفور فمن أخرها وهو متمكن من أدائها كان عاصيًا وهو مذهب أبي حنيفة، أو هي على التراخي فمن أخرها وهو متمكن من أدائها لا يكون عاصيًا بالتأخير [1] وهو مذهب الشافعي، وأما عندنا ففيها قولان: قول بأنها على الفور وهو لإمامنا [2] وفقهائنا العراقيين، وقول بأنها على التراخي وهو لفقهائنا المغاربة ولكن إلى ظن الفوات أو بلوغ الستين من العمر [3] .
(1) ولكن بشرطين: الأول أن لا يخاف فواتها، والثاني أن يعزم على أدائها فيما بعد وإلا كان آثمًا بالتأخير الذي قد يفضي إلى الفوات.
(2) قال القرافي في التنقيح: الأمر عند مالك للفور أُخذ ذلك من أمره بتعجيل الحج ومنعه تفرقة الوضوء ومن عدة مسائل في مذهبه.
(3) لأن سنّ الستين تنذر بقرب الأجل أو بالعجز غالبًا ولأن الله أعذر إلى عبده عند بلوغها فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة ) ).