والمحققون من الأصوليين يرون أن الأمر المطلق لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا إلا بقيد، لأنه تارة يتقيد بالفورية كما إذا قال السيد لخادمه: سافر الآن فإنه يقتضي الفور، وتارة يتقيد بالتراخي كما لو قال له: سافر بعد شهر فإنه يقتضي التراخي، فإذا أمره بأمر مطلق من غير تقييد بفور ولا بتراخ فإنه يكون محتملًا لهما وما كان محتملًا لشيئين فلا يكون مقتضيًا لواحد منهما بعينه.
المسألة الثانية: هل الأمر بالشيء يقتضي تكراره أم لا يقتضيه؟
ذهب مالك إلى أن الأمر يقتضي التكرار كما فهم من استقراء كلامه
لأنه لو لم يكن للتكرار لا متنع ورود النسخ عليه بعد فعله ولأنه ضد النهي وهو للتكرار فوجب أن يكون مثله للتكرار، وخالفه جمهور فقهاء المذهب فقالوا إنه للمرة الواحدة إلا إذا عُلق على شرط أو وصف فيكون حينئذ للتكرار لأن الشرط سبب والحكم يتكرر بتكرر سببه ولأن الوصف علة أو
كالعلة والحكم يتكرر بتكرار علته. ورأى المحققون من الأصوليين أنه لا يقتضي التكرار ولا المرة بل هو صالح لكل منهما ولا يتعين لأحدهما إلا بمعيّن يصرفه إليه: فقد أمرنا الشارع بصوم رمضان من كل سنة وأمرنا بالحج مرة في العمر ولصلاح الأمر المطلق لكل واحد من القيدين حسن من السامع الاستفهام لما فيه من الإبهام فقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة قال: (( خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج? فحجوا. فقال رجل: أكل? عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم ) ) [1] ولولا أن الأمر المطلق يحتمل التكرار والمرة الواحدة لما سأل الرجل هذا السؤال.
(1) حديث أبي هريرة هذا رواه أحمد ومسلم والنسائي والرجل هو الأقرع بن حابس كما جاء عن ابن عباس في روايته لهذا الحديث.