ومثله اختلافهم في الوقت الأفضل لأداء صلاة الصبح هل التغليس أم الإسفار؟ فالشافعية يرون التغليس أفضل لأنه وقت الوجوب، والحنفية يرون الإسفار أفضل لأنه هو وقت الوجوب عندهم، والمالكية كالشافعية يرون التغليس أفضل ولكن لا لأنه وقت الوجوب بل لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن صلى الصبح مرة فأسفر بها لازم التغليس إلى أن توفي [1] .
المسألة الرابعة: هل الأمر الذي يسقط بفعل بعض المكلفين عن البعض الآخر يتعلق ابتداء بالجميع ثم يسقط بفعل من فعله عمن لم يفعله أو إنما يتعلق ابتداء ببعض المكلفين؟
جمهور العلماء يرون أنه يتعلق ابتداء بالجميع لأن العقاب يعم الجميع إذا تركوه ولا يعم العقاب إلا لعموم الواجب.
ومما ينبني على هذه المسألة أن الحاضر الصحيح إذا عدم الماء فإنه يتيمم للفرائض المتعينة عليه كالصلوات الخمس ولا يتيمم للنوافل استقلالًا وفي تيممه لصلاة الجنازة خلاف بناء على هذا الأصل: فمن يرى صحة التيمم لها يرى وجوبها يتعلق ابتداء بجميع المكلفين وهذا الرأي عندنا قوي مدركًا وإن لم يشتهر مذهبًا، ومن يرى عدم صحة التيمم لها يرى وجوبها غير متعلق ابتداء بجميع المكلفين فكانت في حقه كالنافلة ما دامت غير متعينة عليه وهذا الرأي عندنا هو المشهور في المذهب وإن كان ضعيفًا في المدرك.
(1) أخرج أبو داود عن أبي مسعود الأنصاري: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يُسْفر ) )وأصله في الصحيحين والنسائي وابن ماجه، وروى مالك وأحمد والشيخان وأصحاب السنن عن عائشة قالت: (( إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن مايُعرَفن من الغلس ) ).