الوقفة السادسة
حب الإيمان وكراهية الكفر
في الحديث الذي بين أيدينا بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - عظم محبة الإيمان والثبات عليه، وبغض الكفر وكراهيته، وقد ضرب لذلك مثلًا؛ وهو أن يكون قذفه في النار أهون عليه من الرجوع إلى الكفر.
قال السندي في شرح النسائي: «أَيْ وَأَنْ يَكُون إِيقَاد نَار عَظِيمَة فَوُقُوعه فِيهَا أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ الشِّرْك، أَيْ: أَنْ يَصِير الشِّرْك عِنْده لِقُوَّةِ اِعْتِقَاده بِجَزَائِهِ الَّذِي هُوَ النَّار الْمُؤَبَّدَة بِمَنْزِلَةِ جَزَائِهِ فِي الْكَرَاهَة وَالنَّفْرَة عَنْهُ، فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ خُيِّرَ بَيْن نَار الْآخِرَة وَنَار الدُّنْيَا لَاخْتَارَ نَار الدُّنْيَا، كَذَلِكَ لَوْ خُيِّرَ بَيْن الشِّرْك وَنَار الدُّنْيَا لَاخْتَارَ نَار الدُّنْيَا، وَمَرْجِع هَذَا أَنْ يَصِير الْغَيْب عِنْده مِنْ قُوَّة الِاعْتِقَاد كَالْعِيَانِ .. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ تَكُون عَقِيدَته مِنْ الْقُوَّة بِهَذَا الْوَجْه، وَمَحَبَّة اللهِ تَعَالَى بِذَلِكَ الْوَجْه، فَهُوَ حَقِيق بِأَنْ يَجِد مِنْ لَذَّة الْإِيمَان مَا يَجِد. وَالله تَعَالَى أَعْلَم» [1] .
وقال الإمام النووي: «قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا تَصِحُّ مَحَبَّةُ الله تَعَالَى وَرَسُولِهِ حَقِيقَةً وَحُبُّ الْآدَمِيِّ فِي الله وَرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَرَاهَتُهُ الرُّجُوعَ فِي الْكُفْرِ إِلَّا لِمَنْ قَوِيَ بِالْإِيمَانِ يَقِينُهُ, وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ, وَانْشَرَحَ لَهُ صَدْرُهُ،
(1) شرح سنن النسائي للسندي، المجلد الرابع: (8/ 96) .