معرفة البلوغ والرشد إلى اجتهاد فيتوقف ذلك على حكم الحاكم (كزوال الحجر عن السفيه) [1] .
أقول: الصحيح عدم احتياج زوال الحجر عن الصبي إذا بلغ ورشد إلى حكم الحاكم وذلك:
1 ـ لما ذكروه من أن الله تعالى أمر بدفع الأموال إليهم عند البلوغ وايناس الرشد. فاشترط حكم الحاكم زيادة تمنع الدفع عند وجوب ذلك بدون حكم الحاكم، وهذا خلاف النصّ.
2 ـ ولما ذكروه أيضًا أنه حجِّر بغير حكم الحاكم فيزول بغير حكم الحاكم [2] .
3 ـ أقول: حتى إذا قلنا إن معرفة البلوغ والرشد يحتاج الى اجتهاد ونظر، إلاّ أن هذا يكفي لاجتهاد الفقيه ونظره ليفتي في المسألة بصورة كلية، وهذا غير حكمه في المورد الخارجي بزوال الحجر عن البالغ الرشيد، فلاحظ.
وهذا هو الذي عليه جمهور فقهاء المسلمين لقوله تعالى: (وَلاَتُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ) [3] وقال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [4] .
فقد علّق الدفع على شرطين، الحكم المعلّق على شرطين لايثبت بدونهما، فما لم يحصل الشرطان لايجوز دفع مالهم إليهم.
ولكن قال أبو حنيفة: «لايدفع ماله إليه قبل خمسة وعشرين سنة وإن تصرف نفذ تصرفه فإذا بلغ خمسًا وعشرين سنة فُكَّ عنه الحجر ودفع اليه ماله لقوله تعالى: (وَلاَتَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) وهذا قد بلغ أشدّه ويصلح أن يكون جدًّا ولأنه حرّ بالغ عاقل مكلف فلايحجر عليه كالرشيد» [5] .
ويرد عليه:
1 ـ إن معنى حتى يبلغ أشدّه هو اكتمال القوى والمقصود به في المقام هو بلوغ حدّ التكليف زائدًا أو الرشد.
(1) المغني لابن قدامة 4: 510.
(2) المصدر السابق.
(3) النساء: 5.
(4) النساء: 6.
(5) المغني لابن قدامة 4: 511 ـ 512.