إن ما يصيب الإنسان سواء أكان بسبب الحروب، أو مخلفاتها أو بسبب حوادث السير، أو حوادث الشغل وصمم الآلة، أو الحروق على مختلف درجاتها، هذه الأسباب كلها تضع المصاب في مجموعة المرضى الذين تكون معاناتهم وآلامهم والأخطار المترتبة على ذلك تتبع ضعف وقوة الإصابة، وسرعة الإسعاف أو بطئه، وفي كثير من الأحوال يؤدي الحادث إذا تراخى العلاج إما إلى الموت وذهاب الحياة، وإما إلى تلف العضو تلفا لا رجعة فيه بما ينجر عن ذلك من ملازمة النقص وآثاره المخربة على نفسية المصاب وقدراته وعلاقاته الاقتصادية والاجتماعية.
حكم العلاج =
علاج هذه الحوادث مأذون فيه شرعا. وأدلة هذا الإذن كثيرة. ومن أوضحها الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده إلى سهل بن سعد الساعدي قال: لما كسرت على رأس النبي صلى الله عليه وسلم البيضة، وأدمي وجهه وكسرت رَباعيته، وكان علي يختلف بالماء في المجن، وجاءت فاطمة تغسل عن وجهه الدم، فلما رأت فاطمة عليها السلام الدم يزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقأ الدم < فتح الباري كتاب الطب ج 12 ص 281> فهذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم عولج جرحه الذي كان يثعب دما بما أوقف سيلانه، وأنه قد رضي التدخل لتوقيف النزيف لنفسه, ولم يمنع ابنته من إسعافه. و لا شك أن كل من قام بإعانته صلى الله عليه وسلم وساعد على اتخاذ الأسباب مأجور. وهذه الحالة هي على خلاف ما تم، عندما أنكر عليهم أن يلدوه كما رواه البخاري قالت عائشة: لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، قلنا كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم < فتح الباري ج 12 ص 273>.
وكذلك حديث عر فجة السابق. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أذن له في اتخاذ أنف من ذهب، فأحل له لضرورة عودة أنفه، الذهب المحرم على الرجال. وكذلك حديث الربيع بنت معوذ أنها قالت: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة < فتح الباري ج 6 ص 420>
ولكن ما ذهب إليه بعضهم من الاحتجاج بحديث السبعين ألفا الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون < فتح الباري ج 12 ص 321/ 322> لترجيح عدم الإقبال على التداوي والذي تأوله كثير من حذاق النظار كالمازري والطبري، فإنه في نظري إضافة إلى ما ذكروه من التأويلات أرى أن الأمة الإسلامية على مراتب متباعدة من التوكل، فمنهم من كان التوكل عنده في أعلى