وظل الفقه الإسلامي يحمل راية التجديد والاجتهاد، وفق ضوابط وشروط وضعها أهل العلم. واستطاع - بفضل الله - عز وجل - أن يلامس أحوال المكلفين، ويجد لها الحلول الناجعة، ولم يتأخر عن حل مشكلاتهم، مهما دقت النوازل أو جلت.
و"فقه النوازل"يتحرك بحركة المجتمع والحضارة، فكلما تطور المجتمع وتطورت الحضارة تطور معها هذا النوع من الفقه، وكلما انتاب الحركة الحضارية سكون وجمود جمد هذا النوع من الفقه، فهو يتجدد بتطور الحياة.
وقد وضع فقهاؤنا على مر العصور مدونات كثيرة في هذا المجال، وهي ما تسمى بكتب النوازل، أو الفتاوى، أو الأحكام، أو الوقائع، أو الأجوبة؛ وتناولوا فيها أحكام النوازل التي وقعت في زمانهم وبيئتهم.
وفي هذا العصر شهد العالم كثرة النوازل كما أسلفنا - فهو يستحق فعلا أن يسمى بعصر النوازل، وشمر لذلك فقهاؤنا في عرض البلاد الإسلامية وطولها عن ساعد الجد فأخذوا يصدرون أحكامًا حيال هذه النوازل.
ومن أبرز سمات الاجتهاد في الوقت الراهن نشوء وتطور الاجتهاد الجماعي المتمثل في مجامع الفقه الإسلامية، والمؤتمرات الخاصة التي تقام هنا وهناك لتناقش قضية من القضايا طبية أو اقتصادية أو اجتماعية ... يقدم فيها المختصون من الفقهاء والخبراء بحوثًا ودراسات حول تلك القضايا وتناقش المسائل فيتخذ حيالها قرارات وتصدر فتاوى. وكم استفادت مؤسسات اقتصادية وطبية وتجارية ... من هذه القرارات!.
وكذلك الشأن في الرسائل الجامعية - رسائل الماجستير والدكتوراه - تناولت بعض قضايا العصر من اقتصادية أو طبية أو تجارية ... هذا بالإضافة إلى بحوث ومؤلفات نفيسة سطرتها أقلام فقهائنا المعاصرين في مجالات شتى.
ما من شكٍ في أن التشريع الإلهي هو وحده الذي يضمن الحفاظ على مصالح العباد جلبا ورعاية واستدامة، ويدفع عنهم المفاسد عاجلها وآجلها.
وكذلك ندرك مدى أهمية البحث في أحكام النوازل والنظر فيها لإيماننا الراسخ بأن هذه الشريعة الغراء تحتوي بأصولها العامة وقواعدها الجامعة المرنة على أحكام جميع ما يمكن أن يعرض في هذه الحياة، ولعلمنا اليقيني بأنه لا تخلو واقعة من