بالمصلحة، وقد تحول بينه وبين معرفتها الأهواء أو المشاغل أو الآلام أو الجهل أو بعض هذه الأشياء أو كلها.
وفي هذا المبحث تعرض المؤلف لابن تيمية وابن القيم وجهودهما في التنظير لهذا العلم، ثم توقف عند رائد من رواد هذا العلم هو أبو إسحاق الشاطبي. ولم لا يتوقف عنده المؤلف وابن عاشور يعد الشاطبي إمام هذا العلم دون منازع ويقول فيه منوهًا وناقدًا في الوقت ذاته:"والرجل الفذّ الذي أفرد هذا الفن بالتدوين هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي، إذ عُني بإبراز القسم الثاني من كتابه المسمى عنوان التعريف بأصول التكليف في أصول الفقه، وعنون ذلك القسم بكتاب المقاصد ولكنه طوّح في مسائله إلى تطويلات وخلط، وغفل عن مهمات المقاصد ببحث لم يحصل منه الغرض المقصود. على أنه أفاد جد الإفادة، فأن أقتفي آثاره ولا أهمل مهمّاته، ولكن لا أقصد نقله ولا اختصاره" [1] .
إذن اتضح منهج ابن عاشور، فهو يقتفي آثار الشاطبي ولكن لا ينوي اختصار كتاب الموافقات بل يقتبس منه ويستفيد منه، لذلك جعل الأستاذ الحسني الحديث عن الشاطبي تمهيدًا لدراسة نظرية المقاصد عند الشيخ ابن عاشور. وعلامات التأثر تبدو واضحة فانظر إلى كيفية المعرفة بمقاصد الشرع، قال ابن عاشور نقلًا عن الشاطبي"إن مقصد الشارع يعرف من جهات:"
الأول: مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي.
الثاني: اعتبار علل الأمر والنهي كالنكاح لمجرد التناسل والبيع لمصلحة الانتفاع بالمبيع.
الثالث: إن الشارع في شرع الأحكام مقاصد أصلية ومقاصد تابعة، فمنها منصوص عليها، ومنها مشار إليها، ومنها ما استقرئ من النصوص، فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما ذلك شأنه
(1) 4 محمد الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، الطبعة 3، تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1988، ص 8.