فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 545

لا تصلح إلا أن تكون -إن جاز التعبير- مطيةً لدين الله -سبحانه وتعالى-. وعلينا أن نصلح ما بأنفسنا، وأن نراجعها، وهذا حسابٌ دنيوي، بيننا وبين الله؛ وأما الحساب الأخروي، فالأمر فيه أشد.

أيها الإخوة الأحبة! إن ما نعيشه من هذا الواقع التعيس، وما نعيشه من عذاب، وما نعيشه من بؤس، هو {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} . ولو آخذنا الله -عز وجل- بما نكسب؛ لكان عذاب الله أشد، وكانت نقمة الله أعظم؛ فواقعنا -أيها الإخوة- يقل كثيرًا عما نستحقه من العذاب، ومن سلب القوة، ومن الدمار، ومن الخزي الذي نعيشه، ومن الذلة التي نحياها.

واقعنا -أيها الإخوة- هو فيه رحمة الله، ولولا رحمة الله -سبحانه وتعالى-، بأن يؤلف بين القلوب كثيرًا؛ وإلا فأعمالك، وكذبك، ودجلك، وافتراؤك، وظلمك، وجهلك، يقلب المقابل لك وحشًا، لا يرعوي فيك؛ ووالله لولا بقية دينٍ يضعها الله -رب العزة- في قلوب الناس؛ على الصبر على المخالف، وعلى الصبر على ظلم الجائر الظالم؛ لتحول شباب الإسلام فيما بينهم إلى وحوشٍ، وإلى كلابٍ مسعورة، لتحولت مساجد المسلمين ومصلياتهم، إلى أوكارٍ لكلابٍ مسعورة؛ لو تعامل كل واحد بما يعمل الاخر.

ولكن رحمة الله، بأن يضع في القلب اللين، وأن يضع فيه الصبر، وأن يضع فيه رجاء اليوم الآخر؛ أن يصبر، وأن يمرر، وأن يرجو الأجر من الله، ويتذكر قوله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} ، أن يتذكر مثل هذا، لولا هذه البقية الباقية من دينٍ في قلوب البعض، فوالله ما صار أهل الإسلام إلا رزيةً على بعضهم البعض، وإلا وحوشًا على بعضهم البعض، -وأعتذر- إلا كلابًا مسعورةً على بعضهم البعض.

فاتق الله في نفسك، واتق الله في أمة الإسلام، واتق الله في وعد الله القادم، إلى أمة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-. فلا يعني الضعف الذي أعطى الله -عز وجل- به الوعد، أن لا يكون في الآخر القابلية لهذا الوعد؛ الجهل لا يصلح لوعد الله، الحقد لا يصلح لوعد الله، ولا يصلح للرئاسة ولا للقيادة؛ وهذا لم يدركه فقط أهل الإسلام، بل أدركته الجاهلية قديمًا قبل الإسلام.

قيل للأحنف بن قيس: بم وليت على قومك؟ بم سدت قومك؟ قال: (إنما يسود القوم الذكي المتغابي) ، ما الذي يعنيه؟ الذكي المتغابي: هذا الذي لا يمكن أن يكون في قلبه الحقد؛ لأن من كان في قلبه الحقد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت