إذن العلاج الأكبر الأول هو علاج التوحيد، هذا التوحيد إذا صَلُح وهو خطابٌ للإنسان تأتي الشرائع.
وقلنا أن الشرائع هي تطوّرٌ عملي لمفهوم التوحيد.
ومن هنا فإن الأنبياء عندما طرحهم الله -عز وجل- في القرآن وإلى ماذا يدعوا، طرح قضية اجتمع عليها جميع الأنبياء، وهي قضية التوحيد ثم جعل مع كل نبي، فتنة مع التوحيد وهو فتنة تشريعية في قضية خُلُقية، مظهر من مظاهر حصول الشرك في الإنسان أن يَفسُد شيءٌ من مظاهره العملية، من أقواله، من سلوكه، من طريقة عبادته، من حركته في الحياة.
جماعة لوط -عليه السلام- مشركون في مسألة التوحيد، عندهم مظهر من مظاهر هذا الشرك قد ظهرَ وهو حبُّ إتيان الذكران من العالمين، ويأتون في ناديهم المنكر -أي تبارز في الضراط- يجلسون في المجالس -كما قلنا سابقا- ويتبارزون أيهم أقوى ضرطة، وهذا معنى قوله -سبحانه وتعالى-: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ} كما فسّره ابن عباس.
ولم يصح عن قوم لوط شيء في كتب السنة إلا هذان، وهو إتيان الذكران وترك الإناث، والمبارزة في الضراط في المجالس، أما قضية الصفير وغيرها مما يذكر في بعض الأحاديث فهي أحاديث لا تصح.
تطرح قضية التوحيد كمسألة جوهرية، ثم يُنظر إلى مظاهر الفساد، ويأتي النبي ومعه التشريع لإصلاح هذا المظهر، لماذا؟ لأن هذا التشريع هو امتحان للإنسان في قضية قبوله لمسألة الألوهية، لو أن النبي قال لهم قولوا هناك إله واحد وهو ربنا وإلهنا.
ولم تأتِ أي فتنة من الفتن التشريعية التي تثبت الْتزام المرء بالتوحيد أو عدم الْتزامه به، لكان موعود دخول الجنة في مسألة أن يقول المرء فقط: لا إله إلا الله، داعية لجميع الناس أن يدخلوا في التوحيد ولا يُعرض عنه أحد
"قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا"ندخل الجنة! نقول: لا إله إلا الله.
لا يوجد فتنة تشريعية لإثبات مسألة الألوهية، لا يوجد!
ومن هنا فإن كثيرًا من الناس لا يرفضون قضية توحيد الله -سبحانه وتعالى- ولكن تبدأ الفتنة في صراع المرء مع هواه ومع شيطانه عندما تأتي الفتنة في مسألة تشريعية، فالناس عندما يروا أن ارتباطهم الوجودي في مسألة من مسائل الاقتصاد كالربا، فيأتي الداعي يقول لهم: أصلحوا توحيدكم واتركوا الربا، فيقولوا: قبِلْنا أن نصلح توحيدنا ولكن الربا إذا تركناه أدَّى إلى انهيارنا الاقتصادي. فيكون مانعًا من قبولهم التوحيد.