فهرس الكتاب
بتعامل بعض الخلق بها، ولكن رُسخت قواعدها ونطقت فصحى من نطق إسماعيل -عليه السلام-، كما قال - صلى الله عليه وسلم: (أول من فُتق لسانه بالعربية إسماعيل -عليه السلام-) فأول من فتق لسانه بالعربية الصحيحة هو إسماعيل.
وكانت قبله لغات يسميها بعض علماء اللغة بـ"اللغات العروبية"؛ تمييزًا لها عن العربية الفصيحة.
هذا الرابط إذن بين المسمى -أي الشيء المخلوق- وبين اسمه المنطوق أو المكتوب أو المتخيل في الأذهان هو ربط إلهي لا دخل للبشر فيه، وهي كما ترون أول آلة أعطيت للإنسان، أدرك إبليس عندما أراد أن يدخل إلى الإنسان؛ ليغويه ويضله عن الطريق، فكر وقدر -وهو ذكي على غرم ضعف كيده لكنه ذكي، شيطان- كيف يدخل إلى الإنسان، كيف يدخل إليه؟ لا بد أن يدخل إليه بالآلة التي أعطيها من أجل أن يحرفها، إذ الشيطان لا يستطيع أن يغير حقائق الأشياء، الشيطان لا يستطيع أن يقلب الماء دمًا ولا البول ماءً ولا الحجر ترابًا ولا التراب حجرًا، لا يستطيع أن يقلب العصا أفعى ولا الأفعى عصا؛ لأن هذا خلق، قلبُ العصا إلى أفعى خلق إيجاد بغير مقدمة، وهذه الصفة لا تليق إلا بالله -عز وجل-.
فالسحر كما ترون ليس هو تغيير لحقائق الأشياء! إنما هو تخييل للأبصار في رؤية أشياء لا واقع لها، كما قال -سبحانه وتعالى-: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} لا تسعى هي بنفسها؛ لأن الحبال لا تسعى بنفسها، ولكن خُيل إليه، نعود إلى القضية، الشيطان لا بد أن يدخل إلى الإنسان بهذه الآلة؛ ليحطمها ليشرك بالله، لأن مقصد الخلق ثم هداية الخلق ثم تسمية الخلق مقصد ذلك كله هو عبادة الله، وأجلّ أنواع العبادة هو توحيد الله -سبحانه وتعالى-.
المقدمة طالت عليكم، ولكن لا بد أن نصل إلى المهم، إذن مقصد أن خلق الله البشر ثم هداهم هداية مقصودة، ثم سمى لهم الأشياء مقصد ذلك كله هو توحيد الله، هو عبادة الله -سبحانه وتعالى-، كيف يدخل الشيطان إلى الإنسان؟ لا بد أن يحرّف، إما أن يحرف الآلة المستخدمة -وهي الأسماء-، وإما أن يحاول أن يغير حقائق الأشياء.
أما تغيير حقائق الأشياء فلا يستطيع، فجاء وقد علم صفة سننية في الإنسان هي التخيل لما لا واقع له، فأفرز له السحر، فهو شرك وكفر، إذ أن الشيطان لا يعلّم الساحر سحره إلا بعد أن يكفّره، إلا بعد أن يجعله كافرًا بالله {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} لذلك السحر لأن فيه تغيير لحقائق الأشياء في نفس الرائي لا في ذات الأشياء هو كفر وشرك.