فهرس الكتاب
أما الصفة الثانية التي دخل فيها الشيطان على الإنسان فهو: تغيير أسماء الأشياء، أن يغير الأشياء فيوجِد لها أسماء لم يضعها الواضع الحقيقي لها وهو الله -سبحانه وتعالى-، فأول معصية وقعت من أبينا -عليه السلام- إنما وقعت بهذا الأمر -وهو تغيير اسم الشيء-.
آدم -عليه السلام- أدخله الله الجنة، سمى له الأشياء، ومما سمى"شجرة"، قال: هذه شجرة المعصية، هذه إن أكلت منها تعصيني. الشيطان جاء إليه وسماها"شجرة الخلد"هي شجرة المعصية! ولما الإنسان -أي إنسان بفطرته- يسمع معصية الله هذه الكلمة ينفر قلبه فيصنع حاجز نفسي بينه وبين اقتراف المعصية، لكن حين تزال هذه الكلمة وتوضع كلمة أخرى يصبح هذا الحاجز بعيدًا فيصبح الإنسان مؤهلًا مجهزًا مطبعًا مطوعًا لإتيان المعصية، تطوعه نفسه لإتيان المعصية.
لو إبليس جاء إلى آدم وقال له: كُل شجرة المعصية. فلن يأتيها إلا بعد تطبيع شديد، ولكن حيث قال له: هذه شجرة الخلد وملك لا يبلى. ودفعه بسائق الملك والخلد الطويل وهما رغبة الإنسان -ولا وجود لهما لا خلد طويل ولا ملك حقيقي له-! لكن النقطة التي أريد أن نستطرد لئلا نتشعب أن الشيطان استخدم أول أسلوب لمعصية الإنسان هو تسمية الأشياء بغير أسمائها؛ تطويعًا لنفس الإنسان من أجل اقتراف المعصية، وهذا شرك وكفر -أي تسمية الأشياء- يتبعه ماذا؟ تغيير الأحكام؛ لأن الأحكام معلقة على الأسماء، والأسماء إنما تقام على معانٍ حقيقية لا وهمية، فهي معلقة -أي الأحكام- على وقائع حقيقية الرابط بينها وبين هذه الوقائع هي الأسماء، الألفاظ.
فمن الشرك الذي وقعت فيه العرب لتغيير الأسماء هو تغيير أسماء الشهور، هناك أشهر حرم لم يكن الله ليجيز للناس أن يقاتلوا فيها، فقالوا: نغير الأسماء على هذه الشهور فنقلبها لشهور أخرى. وهذا هو النسيء، والنسيء هو: التأجيل، أي: يؤجل إنزال هذا الشهر في هذا الوقت إلى وقت قادم، قال الله عن هذا التغيير -تغيير الشهور، أي أسماء الشهور الذي أعقبه تغيير الأحكام- سماه كفرًا وشركًا، قال -سبحانه-: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} والشيء لا يزاد إلا على جنسه، فلما كان النسيء كفرًا زيد على جنسه وهو الكفر، فقال: الزيادة في الكفر. إذ لا يزاد الفسق على الكفر، الفسق غير المكفر، فكان النسيء كفرًا وهو في أصله قلب الأسماء على غير حقيقتها مما أتبعه بطريقة آلية تغيير الأحكام لهذا الباب الشيطاني الذي وضح لديكم -إن شاء الله- مداخل لا حاجة لاستطرادها؛ لمشقة صعوبتها من دون قواعد مثلما دخل على الأمة مما يسمى بالتأويل.