وعلى كل ذلك فإنها ترى الواقع وتحدد أهدافها من هذا المنطلق، ما الذي تريدوه -هذا أمر- ما الذي تريدوه من الناس؟ تجمعوهم وتُكَتِّلوهم على ماذا؟ تُكَتِّلوا الجماعات على أي شيء؟ والتنظيمات على أي شيء؟
ثم يقولون: لا بُدّ من برلمان، ولا بُدّ من تَكتُّل ومجلس يضم العلماء من أقطار العالم الإسلامي؛ ليصنعوا منها كوكبة، ليصنعوا منها تجمُّعًا، ومن خلال هذا التجمع يستطيعوا أن يسيطروا على كثير من قواعد الأمة في حركة من الحركات، أو في شيء من الأشياء.
ولكننا نقول: أصحيحٌ أولًا أن الأمة ما زالت مرتبطة بهؤلاء العلماء؟ أصحيحٌ هذا؟ أصحيح أنه ما زالت الأمة إذا قال العالم قولًا أن تنقاد وتسير في ركابه وتَمتَثل أمره الذي يأمر به الأمة! أصحيح هذا؟ أصحيح أنه ما زالت الأمة مرتبطة بعلمائها؟ فإذا تحرك العالم في جهة انساقت الأمة وراءه كما كان شأن سلفنا الصالح؟
ففتنة الإمام أحمد، عندما دُعي الإمام أن يقول قولًا تقية بأن يُجيب المعتصم إلى القول بخلق القرآن، فالْتفَتَ إلى مُحدِّثه وأمَرَه أن ينظر من خلف النافذة، ماذا يرى! ففتح النافذة، فرأى جمعًا من الناس، أُمَّة وهم يحملون أوراقهم وأقلامهم ينتظرون كلمة يُصدرها الإمام أحمد ليُسجِّلوها فيمتثلوا أمرها ويعتقدوا حقيقتها، الأمة تتحرك بأمر من أوامره.
وكذا العز ابن عبد السلام -رحمه الله- فعندما قرر أن يبيع الأمراء؛ لأن المماليك كانوا عبيدًا ثم خرجوا من إمْرة أسيادهم، لمَّا وصل بعض قادتهم إلى سدة الحكم، فخرج المماليك من إمْرة أسيادهم، أَبَقُوا، فثبت هذا عند الإمام العز إمامٌ شافعي، فأمر أن يُباع الأمراء، سلطان العلماء العز ابن عبد السلام أمر أن يُعرض الأمراء في سوق النَخَاسة، في سوق بَيْع العبيد حتى يُباعوا من جديد فتُدفع أثمانهم إلى أسيادهم، أن يُباع الأمراء! ورَفَض الأمراء هذا الأمر وهذه الفتوى، فما كان منه إلا أن أحضر حمارين، حمارٌ لأهله وحمارًا لمتاعه، وخرج من مصر فتَبِعه أهلها، يسيرون وراءه، فجاء الناس يجزعون إلى الحاكم أن الْحَقْ العز؛ لأنك ستحكم أرضًا بلا شعب، فلَحِق به واسترضاه وأعطاه المواثيق أنه سيبيع الأمراء المماليك، وهكذا بِيعُوا حتى سُمَّيَ هذا العالم بـ (بائع الملوك، بائع الأمراء، سلطان العلماء) ، الأمة تمتثل أمْره، يقول قولًا فالناس ينقادوا له، لماذا؟ لأن الله -عز وجل- أعطاه ذلك، لأنه رضي عنه الله وأرضى الله عنه الناس، وحيث أسخط العالم ربه أسخط الله -عز وجل- عليه الناس.