قصة أخرى تُنسب إلى ابن المبارك ولكنها في الكتب إلى غيره، كان هارون الرشيد مع زوجته في قصره فسمع ضَجَّة وجَلَبة في وسط البلد، ظنَّ أن أمرًا قد حدث، حريقًا شَبْ أو مشكلة أو مصيبة، فأرسل ( ... ) وشرطته ليستطلع الخبر فجاؤوا إليه بالخبر العجيب، وهو أنه عالم من العلماء -ويبدو أنه ابن المبارك- في حضرته آلاف التلاميذ عَطس أمامهم فقال: الحمد لله، فأجابته الجموع بقولهم: يرحمك الله؛ فكانت هي الجَلَبة التي وصلت إلى قصر هارون الرشيد، قالت له زوجته: لستَ أنتَ بالحاكم، ولستَ أنتَ بالأمير! إنما هو الأمير، العالم هو أميرنا.
هل الأمة مرتبطة بعلمائها في هذا الوقت كما كانت الأمة مرتبطة بعلمائها في سالف الزمان؟ نعم، الأمة أصابها الشيء الكثير ولكن علماء الأمة أصابهم كذلك الشيء الكثير فليست هي مرتبطة، لماذا؟ لأنهم صاروا عبيدًا للسلطان، ولأنهم خرجوا من بين الأمة فلا يُحدِّثون الأمة إلا ما يشتهي السلطان، ففقَدَت الأمة ثقتها بهؤلاء العلماء، فلو اجتمع الآن كل علماء الأمة وقرروا قرارًا واحدًا، وقالوا: نريد أن نزيل هذا الحاكم لنضع بدلًا منه حاكمًا آخر، أكان لقولهم قيمة كبيرة؟ أم هو كما قال سلفنا: كضربة عير لا قيمة لها؟ كضربة عير، لا قيمة لها! قولهم لا قيمة له، بل إن المصيبة والطامة أن الأمة بجهلها وغبائها وقلة حيلتها وسيطرة أهوائها عليها هي التي تسيطر على العلماء، كيف هذا؟
لقد ثبتت الأحداث الكثيرة أن قادة الحركات إن أدخلناهم في زمرة القادة والعلماء كانوا يرقبون وجهة الناس، كانوا يرقبون وجهة الشعوب أين تسير فهم يسيروا وراءها؛ حتى يكونوا هم القادة، ما الذي تريدوه؟ الناس يريدون هذا الاتجاه فهم يمشوا مع التيار لأنهم سيكونوا قادة، فالحقيقة أن الأمة بجهلها وعجزها وهواها هي التي تُسيِّر العلماء والقادة، لماذا؟ لأنهم يبحثون عن رضا الناس فأسخط الله عليهم الناس.
إذن هذا لا قيمة له في الحركة، لا قيمة له ولا دور له في حركة التغيير، إذن ما الذي نريده؟ ما هو الهدف الذي نسير إليه، ما هي السبل؟ لو سألتَ شيخًا أو زعيمًا وقلتَ لهم: ما الذي تريده أنت؟ ها أنت تُجمِّع وتُنظِّم وتصنع وتصنع و تنشر الجريدة والفكرة والمجلة، ما الذي تريده؟ إلى أين تسير بالأمة؟ لأجابك بجواب دلَّ على أنه لم يحدد الهدف، هذا يدل على قوله -سبحانه وتعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}