إذن أيّها الإخوة الأحبّة، أولاً لا بُدَّ أن نفهم أن هذه قواعد ويجب علينا أن نتعامل معها أن حركة الإنسان منوطةٌ بفِكر، قد يقول أحد: أنت الآن قلت أن التتار لا يملكون فِكراً، هُم يملكون فِكراً، هذا الفِكر هو أنهم يريدون إشباع فقط شهواتهم، هذه فكرةٌ تسيطر على الإنسان، إن الإنسان إنما هو مادة وجوده أن يعيش من أجلها وأن يموت من أجلها، أن يملأ بطنه وأن يقضي شهوة فرجه كالدواب هذه فِكرةٌ في النهاية هذه تُمَثِّلُ اعتقاداً في الحياة، قالها الله - عز وجل - عن بعض المشركين: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ} [1] هذا اعتقادٌ عند بعضهم وهناك صراعٌ بين الفلاسفة في قضية سبب وجود الإنسان، فبعض العَدَمَيين يرون أن الإنسان الذي سأذكر مثاله في ما يأتي من الأمثلة وجودي - وسأضرب بالوجودية مثلاً عن قضية المصطلحات المعاصرة أنها لا تُعبّر عن واقعها - فالوجودي يرى أن الإنسان خُلِقَ في هذه الدنيا ليتمتع ولا ينبغي أن يُحكَمَ من أيِّ قيمةٍ فوقيةٍ تخرجُ عن قيمة مصلحته. إذاً الإنسان مصلحة لاعتقاده، في النهاية هذا هو اعتقاده ويعمل من خلال اعتقاده، فهذا هو القصد فالإنسان أولاً فِكر، الإنسان كلمة، هذا يجب علينا أن نتعامل معه ولما كان الإنسان هو الفِكرة، بُعِثَ الأنبياء بالكلمة، بُعِثَ الأنبياء بالدعوة، لم يُبعَثوا ملوكاً، لم يُبعَثوا عسكريين، إنما بُعِثوا بهذه الكلمة، كان العسكر، كان الجيش، كان القتال من أجل التمهيد لهذه الكلمة للوصول إلى أهدافها، التمكين للدعاة ليصلوا إلى أهدافهم في تبليغ الكلمة، هذا المبدأ الأول.
المبدأ الثاني أن الحياة صراع، وأنه لا بُدَّ حين تتقابل الفكرتان المتعارضتان فِكراً أن يسعى الإنسان لبسط الفِكرة الأخرى وذلك عن طريق الصراع. بشرياً؛ الإنسان لا بُدَّ أن يستخدم القوة من أجل الوصول إلى أهدافه، لماذا؟ لأن هذا يوافق طبيعة الإنسان، لا بُدَّ من وجود الهوى فيه، قَدَّرَ الله - عز وجل - وجود الهوى في النفس، هذا الهوى يمنع قبول الحق، يعني ممكن للإنسان أن يتناظر مع إنسان - وهذه نقطة مهمة في فهمنا لكثيرٍ من حوارات التاريخ - أنه يمكن للمرء أن يقبل دعوتك من جهةٍ عقلية لكن يرفضها لأنها تصادم قضايا مهمة لديه من شهوته. من هنا الأنبياء لم يصادمهم العقلاء بأفكار ليكذبوهم بها وليبطلوا دعوتهم من جهة حقيقية أي مناظرة حقيقية تتعلق بالموضوع، إن جميع خصوم الأنبياء إنما مدار خصومتهم على الهوى، هذا الهوى لا يعالج بالفكرة، إنما يعالج بما يضاد هذا الهوى وهو سَلبُ الهوى من هذا الإنسان ليبقى الحوار موضوعياً، فكان ينشأ من ذلك الصراع، الهوى الذي هو جزءٌ
(1) الجاثية: 24