فهرس الكتاب

الصفحة 363 من 545

فالحديث يبين لنا من قول الصديق وهو أعلم الناس بدين الله سبحانه وتعالى بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن بقاء هذا الأمر فينا على خير وصلاح وهدى ونور ما استقامت بنا أئمتنا وهم رؤساؤنا وقادتنا الذين يصدر عنهم القول والرأي والحكم، والحديث السابق يدل على أنه إذا فسد العالِم فسد عالَم الأمة، ومن هنا كان الشرع قد بيّن عِظَم تقويم هاتين الفئتين، على أنه لا ينبغي أن يسكت عن هاتين الفئتين إذا فسدتا.

والعالم كيف يفسد الأمة إذا فسد؟

بيّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن طريق الفتوى؛ فحين يفتي للناس وينشر حكمًا، يزعم أنه هو حكم الله عز وجل بين الناس ويفتيه على أنه هو موقع عن رب العالمين بهذا الحكم وهذه الفتوى! حينئذٍ يأخذ الناس هذا القول، يسلّمون له، ويحملونه، ويقومون به ويعملون به، فيؤدي هذا إلى فساد الناس؛ لأنهم أخذوا هذا القول، (فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .

وأما فساد الحكام، كيف يُفسدوا الناس؟ وذلك بأمور عدة:

الأول: هو أنهم إذا فسدوا فإنهم لا يستطيعوا أن يقضوا على فساد الناس، تبريرًا لفسادهم، وذلك لما فطر الله عز وجل عليه النفوس في أن المرء إذا أصاب معصية فإنه يحب أن يقع الناس فيها؛ حتى لا يعيّر بها؛ كما وقع مع إبليس! لماذا هذا المخلوق العظيم في شره وضلاله .. لماذا يحاول أن يسحب الناس، كل الناس إلى جهنم معه؟ لِما فطر الله عليه الخلق في أنه إذا كان الرجل خَيّرًا فإنه يحب أن ينتشر الخير بين الناس وأن ينشر الخير بينهم، وإذا كان شريرًا فإنه يحب أن ينتشر الشر بين الناس، وأن ينتشر الشر بين الناس.

فهذا الحاكم إذا فسد في نفسه فإنه سيغضّ الطرف عن هؤلاء الفاسدين فيؤدي هذا إلى انتشار الفساد.

ثانيًا: سيُقرّب إليه أهل الفساد، وهذا داعٍ لشهوة الناس في أنهم يتقربوا إلى الحاكم، فيجنوا بعض خيره من مناصب وأموال وشهرة أن يفسدوا؛ من أجل أن يتقربوا إلى هذا الحاكم.

ولذلك كان فساد هاتين الفئتين فساد الأمة، وطاعة هؤلاء فيما هو طاعة لله سبحانه وتعالى هو صلاح الأمة فـ {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] .

ولكن كما قال ابن جرير -عليه رحمه الله-:"إن الله قد وسد لهاتين الفئتين طاعة الناس"؛ أي على الناس أن يطيعوا هاتين الفئتين، ثم سلب هذه الخاصية من هاتين الفئتين، سلب حق الطاعة والانقياد لهما، وذلك بقوله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] ، {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] .

قال أهل التفسير: أي أن أولي الأمر يجب على الأمة أن تطيعهما -أي العلماء والأمراء- ذلك بشرط قيامهما على طاعة الله وطاعة رسوله، ولذلك لم يقل الرب سبحانه وتعالى، أطيعوا الله وأطيعوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت