فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 545

وإذا أردنا أن نقلّب النظر بين الأدلة ونتائجها لعلمنا أن العلماء قد فسدوا حين فسد الناس، فقد جعل الله عز وجل معاير كثيرة في معرفتنا لفساد أقوام أو لنتائج أمور على أمور فمثلا، إذا وقعنا في هزيمة دل على أننا عصاة، فقد علمنا أننا عصاة ويجب علينا أن نفتش على المعاصي فينا حين تقع علينا الهزيمة، فإذا وقعنا في النصر دل على أننا في طاعة.

ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم) ؛ فنحن الآن لا خير فينا! فدل على أن أهل الشام قد فسدوا، حينئذٍ، كذلك نقول: حين نرى الضلال في الأمة دلّ هذا على ماذا؟ على ضلال العلماء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .

فإذا وقع الضلالة في الأمة، دلّ على أن العلماء قد ضلوا، وليس هو من قبيل ضلال الناس وعدم طاعتهم للعلماء لا ..

سبب الفساد هو طاعة الناس للعلماء، ففسدوا ففسد الناس؛ وذلك لفساد العلماء، إن الكثير من طوائف المبتعدين لم يصل عندهم الجرأة في أن يقولوا كلمة الحق التي أوجبها الله عز وجل فيهم؛ وذلك لهيبة العلماء؛ ولأنهم يرددوا كثيرًا بعض الكلمات التي قيلت في زمانٍ من الأزمان في علماء يستحقوا أن يُحترموا ويُقّدروا.

مثل سَوْقهم لكلمات ابن عساكر -عليه رحمة الله- في كتابه"تبيين كذب المفتري فيما نسب للإمام أبي الحسن الأشعري"حين قال:"لحوم العلماء مسمومة ومن خاض فيها فحالهُ عِندنا معلومة"-أي أنه لن يموت حتى يُفتن إذا خاض في لحوم العلماء-، ولكن من هي التي تكون مسمومة؟ هي التي لم يُبحها الشارع لنا، إن الذبيحة التي لم يبح الشارع أن نخوض فيها حينئذٍ تكون مسمومة، ومن أكل منها وخاض فيها فلابد أن يقع في البلاء في الدنيا والآخرة.

وأما من أباح الله عز وجل لنا أن نأكلها فلن تكون النتيجة المترتبة على أكلها إلا خيرا؛ فإن هناك الكثير ممن زوّروا دين الله عز وجل، وإن هناك الكثير من الناس الذين تصدّروا العلم والفتوى والتوقيع عن رب العالمين قد أضلوا الناس وانساق الناس وراءهم بالأخذ من كلامهم حتى انتشر الفساد، وطمّ العباد هذه الضلالات التي دخلت كل بيت.

وضلال العلماء يكون بأمرين: بالكلمة والسلوك؛ لأن الناس تقليدهم للأعمال أشد من تقليدهم للأقوال، ولذلك أقام الله عز وجل للعباد شخوصًا يقتدوا بها قبل أن يقيمَ دعاةً مبلّغين يسمعون منهم الكلام.

فأعظم الناس دينًا وعلمًا وتقوى وصلاح، هم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم عايشوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس لمجرّد النظر ولكن لأن الصاحب ساحب، لأنهم صاحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأوا أعماله وسمعوا أقواله، وكان الفضل أعظم برؤيتهم لشخصهِ؛ لأننا نسمع أقواله ولكن لا نرى شخصه، فغابت عنا الكثير من صور الدين الحقيقية لغياب شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - عنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت