فلذلك قالوا: أن دلالة الحال هي أشد من دلالة المقال؛ لأن الناس يتأثروا بالأعمال أكثر من تأثرهم بالأقوال.
العلماء يكون ضلالهم بأمرين:
-ضلال أقوالهم الفاسدة التي تسير مسيرا الليل والنهار، وتنتشر في الشرق والغرب، فيتلقفها الناس ويأخذوا بها فينتج بعد ذلك الضلال والفساد في الأرض.
-يقتدوا بهم وبأعمالهم، وبعد ذلك يروا من سلوكهم ما يسقط هيبة العلم ويدفعهم إلى تقليدهم، ثم يعطي الناس العذر بعد ذلك أن يقعوا في المعاصي؛ لأنهم يقولوا: إذا كان العلماء قد وقعوا في هذا فنحنُ أولى أن نقع فيه!
كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) حين قال إبراهيم -عليه السلام-: {أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] .
قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه الإمام البخاري ومسلم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) ، وقالَ أهل العلم في تفسير هذا الحديث: أي لو أن إبراهيم شك لكان أولى بنا أن نشك.
إذا كان إبراهيم الذي رأى ملكوت السماوات والأرض -كما أخبر الله عنه- شك فمن باب أولى أن نشك، أما وإن إبراهيم لم يشك فعلينا أن لا نشك.
فهذا عذرًا للناس جميعًا، قالوا: إذا وقع هذا في الفساد فأولى بنا أن نقع فيه! وإذا كان أهل العلم من يصبروا دين الله على حقيقتهِ يلغ في هذه المعاصي ويقع فيها فأولى بنا أن نقع فيها وأن نلغ بها! إذا ولغوا بها إلى ركبهم نحن نلغ بها إلى آذاننا وأعناقنا!
حينئذٍ ينتشر الفساد في الأرض، ونحن تبيّنا أن العلماء فسدة في هذا الزمان بأسباب نسوقُ بعضها.
أما السبب الأول: فإن العلماء على مدار تاريخنا الإسلامي كانوا دُعاة حق وكشّافي هُدى للناس جميعًا، يُبصّرون الناس الدين، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن (أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل، فالأمثل) .
فعلماؤنا الذين نسير بأسمائهم، ونتغنّى بفتاويهم، لم ينتشروا بسبب الفتاوى! إنما انتشرت تعظيم الله لهم، وانتشروا بين الناس لمواقفهم، وإلا فإن كثيرًا من العلماء لا ينتشروا بين الناس، وليس لهم الذكر بين الناس؛ لأنهم لم تكن لديهم المواقف.
لماذا عظّم الله عز وجل في قلوب الناس الإمام أحمد بن حنبل؟ لماذا؟ هل لعلمه فقط! أم لموقفه مع الحق؟
حين سُميَّ -رضي الله تعالى عنه- بالصدّيق الثاني؛ لأن الصدّيق الأول كان السدَّ المنيع الذي منع دخول الردّة إلى حوزة الإسلام، وكان أحمد بن حنبل -رضي الله عنه- هو السدُّ الثاني الذي منع حصول الردّة في أُمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - حين وقف موقفًا صلبًا في قضية خلق القرآن.