وَعْدًا مَفْعُولًا، بعثنا عليكم خطاب لمن؟ بعثنا عليكم من؟ هل هو خطاب لليهود أي يا يهود أرسلنا عليكم عبادًا يدمِّرونكم؟ أم هو خطاب للمسلمين: يا مسلمون سنبعث عليكم عبادًا لنا يدمرونكم بعد العلو الأول؟ هنا لا بد من النظر إلى القرائن المحيطة بالآيات لتدلنا لمن الخطاب، على من توجَّه إليهم الخطاب، وهذا يحل لنا كثيرًا من معاني هذه الآيات، {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} ، {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} ، إذا كان هذا وعد على العلو الأول، إذا كان الخطاب لليهود فإنه يقول: إذا جاء وعد أولاهما دمرناكم بعباد، ثم رددنا لكم الكرة عليهم على من؟ على أعدائهم، لنتصور ونتوقع ونهيئ عقولنا أن الخطاب، وقع العلو الأول فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم يا يهود -إذا كان بهذا المعنى- {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا} ؛ أي دمروكم، فدمروا العلو الأول {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} فهذا هو العلو الثاني، فكيف إذا كان ذاك العلو الأول فجاء قوم فجاسوا خلال الديار ثم ردَّ الله الكرة لليهود عليهم يعني على المسلمين، من هم أعداؤهم؟ أهل الإسلام، لو تصورنا هذا، وإن كانت الآيات لا تحتمل هذا بسبب ووجود قرينة مانعة {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} فجعلناها هي العلو الثاني، فما هو دور {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ} أي العلو الثاني؟ إذن لا تستقيم الآيات بعد ذلك أنها خطاب لليهود بل هي خطاب القرآن للمسلمين.
ثانيًا أن القرآن يقول في آخرها {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} ، وقبل ذلك {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا} هل هذا خطاب لليهود الذين كتب الله عليهم اللعنة إلى يوم الدين؟ هذا خطاب للمسلمين ولا شك، فإذًا {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} ، هنا هذا الخطاب لليهود وانتهى الخطاب، ثم عاد الخطاب إلى أهل الإسلام، ماذا سيحصل لكم يا أهل الإسلام عند حصول العلو؟
الأول {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا} ؛ أي يا مسلمين إذا جاء وعد العلو الأول بعثنا عليكم يا أهل الإسلام {عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} وفي هذه الآيات كما ترون أن الإفساد العسكري، العلو في الأرض الإفساد من قِبل اليهود لن يكون عسكريًا ولا يستطيع اليهود أن يكون إفسادهم عسكريًا في الأرض بسبب قلة شأنهم وقلة عددهم، وقد قال الله -عز وجل- عن علوهم أنه لا يقع {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} أي الإذن القدري، {وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} إذًا اليهود لا يستطيعون أن يعلوا علوًا عسكريًا في الأرض لدناءة شأنهم، وقد قال الله -عز وجل-: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} ، فكيف من كان هذا شأنه في القتال يكون له العلو العسكري؟!