هذه الدوائر وخاصة أقولها في هذا الوقت؟ ربما بعد انفراط حكم الاستعمار في بلادنا، ومحاولات الأحزاب الوافدة والداخلية بعد انفراط دولة الإسلام من قومية وبعثية وشيوعية علمانية وإسلامية، فكل الجماعات تسعى جهدها لكسب الأمة إلى جهتها، فكانت الأمة تبحث عن الهوية، كان عند أهل الإسلام مقوِّمات لا توجد لأي تنظيم آخر من أجل السيطرة على الأمة ومن أجل إسلامها؛ أي أن تصبح هوية الأمة إسلامية، فلماذا لم يبقَ في هذه الدول من هوية الإسلام شيئًا؟ وتتلاشى هوية الإسلام لا من الدولة، فقد تلاشت يوم أن سقطت الخلافة، ولكن تكاد هوية الإسلام أن تتلاشى من الفرد المسلم بآخر عقد بينه وبين الإسلام وهي الصلاة، كما قال ?: (تُنقض عُرى الإسلام عروة عروة أوَّلها الحكم بكتابه وآخرها الصلاة) ، مع أن أهل الإسلام كانوا يملكون رصيدًا هائلًا لا يملكه أي تنظيم آخر.
لنضرب مثالًا على ذلك ببلاد الشام، سوريا، انظروا بين شخصيتين في وقت كانت الأحزاب تتصارع على تحديد هوية بلاد الشام الإسلام أم البعثية أم الشيوعية، ميشيل عفلق البعثي، والشيخ علي الطنطاوي، وكلاهما كان مدرِّسًا في مدرسة واحدة الشيخ علي الطنطاوي وميشيل عفلق، في مدرسة مكتب عمبر في دمشق كلاهما مدرس، ميشيل عفلق لا يستطيع أن يخاطب خمسة من البشر خطابًا يروق لهم أو أن يسمعوا له بانتباه، الشيخ علي الطنطاوي كان باستطاعته بخطبة واحدة أن يسيِّر دمشق كلها بهذه الخطبة، مرة في إحدى دروسه في إذاعة دمشق خرجت الشام كلها في مظاهرات من أجل هذه الخطبة، فكان أهل الإسلام يملكون الكثير وأهل الكفر لا يملكون شيئًا، وفي النهاية الشيخ علي الطنطاوي ربما لو مات -نسأل الله عز وجل أن يرحمنا وإياه- لو مات لرفض أهل الجزيرة أن يدفنوه، لن يجد قطعة أرض تسعه، وميشيل عفلق الملعون دينه ومذهبه يُحكم به في بلدين من أكبر بلاد المسلمين؛ العراق وسوريا.
فلماذا هذه النتائج؟ بالرغم أن الرصيد الأعظم لم يكن بيد هؤلاء، كان بيد أهل الإسلام ففوَّته أهل الإسلام، وضيّعوه وذهب إلى غيرهم، لماذا؟ لأن أهل الإسلام لم يعرفوا الطريقة الصحيحة للوصول إلى أهدافهم، ولا الطريقة الوحيدة في تقويض أحكام اليهود، ولا تلاعبهم ولا أحكام وتلاعب أي مذهب من مذاهب الكفر وعلى رأسه الدين اليهودي.
إن الطريقة الوحيدة التي غَنِم أهل الإسلام ما بناه اليهود في خيبر وفي بني قريظة هذه الجنان التي بذلوا فيها مئات السنين في بناء هذه الأماكن الجميلة والبساتين العظيمة، جنان حول المدينة كانت لليهود، فبماذا أخذها أهل الإسلام؟ وبماذا جنوا هذه الأرطال والأطنان من الذهب التي جناها اليهود بالربا والسرقة وتفريق الناس، وحتى كاد أن يصبح رجل من عظمائهم ملكًا للعرب، ومع ذلك أخذها أهل الإسلام فصارت لأهل الإسلام، وكيف صارت هذه البلاد مثل فلسطين ومثل بقية البلاد وإنما أمر فلسطين الأمر المباشر، وانظروا إلى بقية البلاد كيف صارت بلادنا غنيمة وثراء لهؤلاء اليهود، ما هي الطريقة؟