الصفحة 72 من 148

لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها [1] ، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء [2] ، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر والأذان والإقامة - عند من لا يقر بوجوبها - ونحو ذلك من الشعائر، هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها.

وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزله مانعي الزكاة وبمنزله الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولهذا افترقت سيرة علي رضي الله عنه في قتاله لأهل البصرة والشام وفي قتاله لأهل النهراون، فكانت سيرته مع أهل البصرة والشاميين سيرة الأخ مع أخيه ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق وقتال الخوارج بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة فإن النصوص دلت فيها بما دلت، والصحابة والتابعون اختلفوا فيها.

على أن من الفقهاء الأئمة من يرى أن أهل البغي الذين يجب قتالهم هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ، لا الخارجون عن طاعته. وآخرون يجعلون القسمين بغاة، وبين البغاة

(1) هنا تأكيد على أن مسوغ مقاتله الطائفة مجرد الامتناع عن فعل الواجب أو ترك المحرم، ولو كانت الطائفة مقرة بالحكم ناطقةً بالشهادتين، وفي هذا رد ظاهر على المرجئة وأفراخهم.

(2) قوله: (مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء) ؛ إشارةٌ للإجماع المنعقد في زمن أبي بكر رضي الله عنه، حيث تم إجماعهم على مقاتلة جميع صنوف المرتدين بما فيهم الممتنعين عن دفع الزكاة مع الإقرار بوجوبها، وذاك هو الإجماع المنضبط الذي لا يعبأ بعده بخلاف المخالفين الخارجين عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت