الصفحة 73 من 148

والتتار فرق بين. فأما الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فلا أعلم في وجوب قتالهم خلافًا [1] .

الحلقة الثالثة

قال شيخ الإسلام ابن تيمية [2] :

(1) أشار الشيخ رحمه الله هنا إلى مسألة يدفع الجهل بها إلى ضلال عظيم وخلط كثير في تصنيف الطوائف والحكم عليها، وهي أن المستحقين للمقاتلة من الناطقين بالشهادتين ثلاثة أصناف ولكل صنف منهم حكمه في الشرع الذي يختلف به عن غيره:

أ) المرتدون: بارتكاب ناقض أو أكثر من نواقض الإسلام مع بقاء إدعائهم الانتساب للإسلام كمانعي الزكاة في عهد أبي بكر رضي عنه، ويدخل في حكم هؤلاء من باب الأولى طواغيت آل سعود ومن شابههم من طواغيت العصر.

ب) الخوارج: وهؤلاء سموا شرعًا خوارج لا لخروجهم على إمام مسلم أو عن طاعته كما يتوهم كثير من الجهال، وإنما سموا خوارج لخروجهم عن الدين ومروقهم منه مع بقاء ادعائهم الإسلام وتلفظهم بالشهادتين، وهؤلاء في كفرهم خلاف بين المسلمين، غير أنّ عليًّا رضي الله عنه لم يكفر أوائلهم مع قتاله لهم بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت معاملته معهم تختلف عن معاملته مع أهل الجمل وصفّين - كما ذكر ذلك شيخ الإسلام - حيث يتضح بفعله رضي الله عنه ذلك التفريق بين الخوارج والبغاة في الاسم والحكم، فالبغاة ليسوا مرتدين ولا خوارج بل هم كما يلي:

أ) البغاة: وهؤلاء مسلمون تبقى لهم أُخوة الإسلام وحقوقه، ولا يطلق عليهم اسم الفسق ولا يُقاتلون ابتداءً، بل المشروع الإصلاح بينهم، فان بغت إحدى الطائفتين على الأخرى بالقتال بعد الصلح قوتلت الباغية بنص القران الكريم؛ {وإن طائفتين من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ... } .

ويمثل أهل العلم لقتال أولئك بقتال علي رضي الله عنه يوم الجمل وصفين، فقد سلك في قتالهم مسلكًا غير مسلكه في قتال الخوارج المارقين، وإن شئت أن تعرف مزيدًا من الفرق فارجع إلى الجزء الخامس والثلاثين من فتاوى شيخ الإسلام.

وللتعليق بقية نكملها بمشيئة الله في العدد القادم ...

(2) تتمّة: أشرنا في العدد الماضي إلى أهمية التفريق في الاسم والحكم بين المرتدين والخوارج والبغاة، وأن عدم العلم بالفرق بينها هو الذي هيأ فرص التلبيس للمنافقين من حملة العلم في زماننا ومن قبل زماننا، على الجهلة والمقلدة الذين كثيرًا ما يعيرون المجاهدين بقلة العلم والتعجل في الأحكام، بينما لو تأملت حقائق الشراع وقواعده لرأيت أقرب الناس لتطبيقها والتقيد بحدودها هم المجاهدون في سبيل الله، مع بقاء تعرضهم للأخطاء التي لا يسلم منها سوى أنبياء الله، لكنها أخطاء لا تخرجهم من دائرة الطائفة المنصورة الناجية.

بخلاف طوام ضلّال القوم الذين يقذفون بالأحكام جزافًا من غير مستند شرعي منضبط، فكثيرًا ما يعتمدون على التهويل والتعيير والتنفير، سنّة أعداء المصلحين في كل زمان، ولكن يأبى الله إلا أن يتمّ نوره ويظهر دينه وينصر أولياءه.

ولذلك فلو تأملت واقع الطواغيت وعملائهم من مشايخ السوء وجنودهم من العسكر ثم عرضت أفعالهم وأقوالهم ومواقفهم على الكتاب والسنة بفهم السلف رحمهم الله لرأيت عجبًا، فأما الطواغيت من آل سعود، فلا يخفى على من له أدنى إلمام بسيرة الصحابة مع المرتدين؛ أن آل سعود قد ارتكبوا من النواقض والمكفرات ما لا يقارن بشناعته ووضوحه وظهوره ما ارتكبه مرتدو زمان أبي بكر رضي الله عنه، فلا يخلو الامر من إلزام أحد الفريقين بالضلال والخطأ:

-إما أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم؛ - وحاشاهم - حينما قاتلوا من أقر بالشهادتين وأتى بجميع شرائع الدين سوى الزكاة التي امتنعوا عن دفعها مع إقرارهم بوجوبها وتأولهم الفاسد المعتمد في نظرهم على نصٍ قطعي في منعها.

وإما مشايخ السوء والضلالة اليوم؛ الذين بلغ بهم الورع والتقى - على حد زعمهم - والتحوط الخارجي الامتناع عن تكفير من فتح على الأمة كل أبواب الردة والرذيلة من قنوات وقوانين، فضلًا عن منعهم كل من دعا لدين الأنبياء والمرسلين وحربه ومطاردته بل وقتله والتشهير به والتشنيع على من ترحم عليه، بل ووصمه بأبشع الأوصاف ونبزه بأشنع الألقاب، في حين تتبجح صحافتهم الملعونة وإعلامهم المأفون بتبجيل كبار طواغيت العالم وملحدي الكتّاب والسياسة، مما لا يخفى إلا على مطموس البصيرة مظلم السريرة.

فها هو مثلًا محمد علوي مالكي؛ يطوف الأرض ويدنس البيت الحرام، مع أنه مرتد لا عهد ولا ذمة ولا أمان، ولا يشك في وجوب قتله إلا من لا يعرف من دين الإسلام شيئا قط أو منافق مكابر، ناهيك عن تركي الحمد الذي يرقع له بعض خوارج الدعاة ويتأولون لإلحاده الصراح ما لا يتأولون عشر معشاره لمواقف المجاهدين المشرقة - إن كان بعضها يحتاج لتأويل -

وكم أدمى قلوبنا تباكي إعلام آل سعود الملعون على الصليبية المنصرة المفسدة ديانا وأضفوا عليها من عبارات التبجيل، والإعظام ما لا يجوز إطلاق بعضه حتى على كبار أئمة الدين والمصلحين.

والهالك الآخر من أكبر ملحدي العصر نزار قباني؛ الذي بقي إعلامهم أيامًا كثيرة ينسج من عبارات تبجيله وتعظيمه ثيابًا للردة ويخطون سطورًا من الكفر، في حين يتراقص إعلامهم طربًا وفرحًا وسرورًا عند موت أو مقتل أحد خيار رجال هذا الدين، كالإمام حمود العقلا والشيخ المجاهد يوسف العييري والقائد خالد حاج وغيرهم الكثير الكثير ...

وما هذه الأمثلة إلا قطرة من بحر فجورهم، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

وتجد للأسف بعض حملة العلم يسلّط نقده وهمزه ولمزه على إصدارات المجاهدين وكتاباتهم، في حين لم نسمع منه كلمة واحدة قط في نقد الإلحاد والفجور الذي تموج به بحار القنوات وسود الصحفات وعفن الكلمات من أعداء الله من سلاطين وحداثيين ومنافقين، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

فلا شك إذًا عند المنصف العارف بحدود الشارع؛ أن حكومة آل سعود حكومة مرتدة يجب على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسلك معهم ما سلكه أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مع مرتدي زمانهم وجوبًا عينيا، حتى يطهر الله منهم جزيرة العرب ويكون الدين كله لله.

وأما مشايخهم الذين يدافعون عنهم ما لا يدافعون أقل من عشر معشاره عن ذات الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فرب سابٍّ لله ورسوله يلتمس له أولئك الضلال أنواع الأعذار والتبريرات وانتحال أقبح صور التأولات بينما الذي يتكلم عن جرائم هؤلاء السلاطين وكفرياتهم ولو بأيسر الكلمات فتجدهم يقذفونه بأوجع الصفات، غير متحرين الأعذار والتبريرات، فجعلوا للحكام المرتدين حرمة أعظم من حرمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أرأيت لو أنّ خطيبًا أو محاضرًا أو كاتبًا قال: (آل سعود والشيطان وجهان لعملة واحدة) ، فماذا يا ترى سيكون موقف شيوخ الدولة وعباد المادة منه ومن مقولته؟!

فهؤلاء لا شك أنهم قد ارتكسوا في الفتنة ودخلوا مذهب الخوارج من أوسع أبوابه وأقوى أسبابه.

بل إنهم والله أحرى لحوقًا في الحكم بالرافضة، الذين قال فيهم شيخ الإسلام ابن تيمية: (والخوارج مع هذا لم يكونوا يعاونون الكفار على قتال المسلمين، والرافضة يعاونون الكفار على قتال المسلمين، فلم يكفهم أنهم لا يقاتلون الكفار مع المسلمين حتى قاتلوا المسلمين مع الكفار، فكانوا أعظم مروقًا عن الدين من أولئك المارقين بكثير كثير) أهـ

وأما البغاة؛ أخي فلا مثال لهم اليوم في واقع الجزيرة العربية، إذ إن البغاة مسلحون يخرجون على إمام مسلم بتأويل سائغ يجب بسببه عقد صلح شرعي بينهم وبين الإمام، حيث يجب عليه أن يزيل المظالم الموجودة ويقومّ الأخطاء الواقعة التي سببت قيام هذه الطائفة المسلحة.

وإذا فعل الإمام ذلك وجب حينها كف السلاح والدخول في جماعة المسلمين، وهذا غير واقع الجزيرة اليوم، لأن المقاتلين فيها اليوم مجاهدون خرجوا على طاغية مرتد مبدل للشرع مغير للدين، ممكن للكافرين، فقتالهم له مشروع - بل واجب - حتى تزول الفتنة ويكون الدين كله لله ويجب على كل المسلمين النهوض معهم بما في الإمكان، وأفضل ما يقوم به المسلم في قتال أولئك المرتدين المال والنفس جميعًا والواجب على كلٍ بحسبه.

فالله ... الله ... أيها المسلمون لا يستخفنكم الذين لا يوقنون ولا يضلنكم المنافقون ولا يخطفن أبصاركم كثرة سواد المجادلين عن الظالمين.

لا تخش كثرتهم فهم همج الورى ... وذبابه أتخاف من ذبان

بل كم في القرآن من قوله تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ، كما في الأعراف ويوسف والنحل والروم وسبأ وغافر والجاثية، اشارة إلى أن كثرة السواد ليس بحجة قطعًا على الحق إن لم يكن أحيانًا دليلًا على ضده، {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} ، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت