الحلقة الأولى
السؤال من المجلد الثامن والعشرين ...
ما تقول الفقهاء أئمة الدين في هؤلاء التتار، الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة، وفعلوا ما اشتهر من قتل المسلمين، وسبي بعض الذراري، والنهب لمن وجدوه من المسلمين، وهتكوا حرمات الدين من إذلالٍ المسلمين، وإهانةٍ المساجد، لاسيما بيت المقدس وأفسدوا فيه، وأخذوا من أموال المسلمين وأموال بيت المال الحمل العظيم، وأسروا من رجال المسلمين الجم الغفير وأخرجوهم من أوطانهم، وادعوا مع ذلك التمسك بالشهادتين وادعوا تحريم قتال مقاتلهم، لِمَا زعموا من اتبّاع أصل الإسلام، ولكونهم عفّوا عن استئصال المسلمين. فهل يجوز قتالهم أو يجب، وأيما كان فمن أي الوجوه جوازه أو وجوبه؟
أفتونا مأجورين.
فأجاب:
الحمد لله.
كل طائفة [1] ممتنعة عن التزام [2] شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم [3] فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين
(1) هنا فرقٌ من الفروق عند أهل العلم في القتال والاستتابة والعذر وغيرها بين الطائفة الممتنعة والفرد المقدور عليه إذا تركوا أو ترك شريعةً من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فما كل ما يُتعامل به مع الفرد المقدور عليه يُتعامل به مع الطائفة الممتنعة.
(2) أي: ممتنعة عن الالتزام العملي، ولو ادّعت اعتقاد وجوب الواجب وحرمة المحرّم كحال تاركي التزام دفع الزكاة مع اعتقادهم وجوبها في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقاتلهم على مجرد ذلك، وقد بيّن شيخ الإسلام في موضع آخر أن الامتناع المُسوِّغ للقتال هو ما كان مستندًا إلى منعة أي قوة وشوكة ومقاتلة.
(3) قوله: (وغيرهم) فيه أن الأحكام الشرعية لا يُحابى في تطبيقها أحدٌ لنسبه أو جنسه أو وطنه أو علمه أو شعاره وانتمائه، فما يُكفّرُ به عجمُ التتار شرعًا يُكَفّرُ به العرب من آل سعود وغيرهم وإن كانوا من بلاد الحرمين، فالأرض لا تُقَدِّسُ أحدًا و الشرع واحدٌ لا يتغير بتغيّر الأزمان والأماكن والسياسات والأنظمة، ولو كان النسب والوطن يشفع لأحد لشفع لأبي لهب وأبي طالب عمَّي رسول الله صلى الله عليه وسلم واللذين كانا من أعرق العرب نسبًا.