الصفحة 98 من 148

[الكاتب: عبد الله بن محمد الرشود]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وعدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد ...

أخي المسلم، أخي المجاهد ...

سلام الله عليك ورحمته وبركاته.

أخي المجاهد ...

أزف عليك أغلى تهانينا على ما من الله به عليك بأن جعلك مجاهدًا في سبيله، بأن اختصّك من بين جموع المسلمين الغفيرة فاختارك لتكون من طائفة المجاهدين في سبيله، وبوأك ذروة سنام الإسلام، وجعلك من حرّاس هذا الدين، وجعلك شجىً في حلوق أعداء الله المتربصين.

لا شك أن أعظم عملٍ رُغب في تطوعه بعد الفرائض؛ هو الجهاد في سبيل الله، في الكتاب والسنة، وجعله الله علامة على صدق محبة العبد لربه، ولذلك فإن أخصّ الأمة فضلًا ودرجة ومنزلة وإيمانًا وصدقًا ويقينًا هم المجاهدون في سبيل الله.

لا سيّما ... بل ويتأكد هذا الفضل إذا كان الجهاد متعينًا، فإن الجهاد له فضل عظيم، ولو لم يكن فرض عين، بل مجرد التطوع للجهاد له فضائل لم يرد ذكرها في فضل غيرها من الأعمال، فأما إذا تعيّن الجهاد في سبيل الله، فإن تلك الفضائل تتضاعف أضعافًا مضاعفة، وتزداد الأجور بما لا يُحيط به إلا العزيز الغفور.

بل إن دواعي مضاعفة الثواب وزيادة الأجور تزداد بمقتضيات كثيرة، وأسباب كثيرة، تجعل من المجاهد في سبيل الله في وقت من الأوقات، وفي حال من الأحوال، وفي ظرف من الظروف؛ يكون هو لُب الأمة الإسلامية.

فإذا كان مجرد الرباط في سبيل الله - رباط التطوع - له أجور لا يحيط بها عقل البشر المجرد، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه في الأثر الموقوف بسند صحيح، ويروى مرفوعًا بسند حسنّه بعض أهل العلم، قال أبو هريرة: (لأن أرابط ليلة في سبيل الله أحب إليَّ من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود) . انظر عظمة الفضل التي فاقت فضل الزمان وفضل المكان ... أبو هريرة هنا رضي الله عنه يعني؛ جهاد التطوّع، فأما إذا تعيّن فتلك منازل ومراتب عظيمة، لا يدرك علوها إلا أكرم الأكرمين جل وعلا.

فلذا إذا اجتمع في الرباط الوجوب، ثم اجتمع مع الوجوب غربة الزمان، بكثرة المتقاعسين، المتخاذلين، المتخلفين، اللائمين، فتركوا الواجب، وتخلوا عنه، وتبوأته أنت، وأخذت مكانك في صف الوجوب الشرعي دفاعًا عن هذا الدين ... لا شك أن هذا أيضًا مقتضىً آخر لمضاعفة الدرجات وعلو المراتب.

لا سيّما أيضًا إذا انضاف إلى ذلك كثرة الأعداء المتربصين، من سائر أهل الملل والنحل، وطوائف المخالفين من المسلمين، فعلى كثرة الأعداء وشراستهم وقوتهم، يكون أيضًا علو منزلة المجاهد المرابط في سبيل الله ومضاعفة أجره وثوابه.

أيضًا إذا انضاف إلى ذلك قلة العدد، ولم نر - في علمي - على مدى عصور الأمة الإسلامية؛ قلة في عدد المجاهدين والمرابطين في سبيل الله مثل هذا العصر، بصورة لم يسبق لها مثيل، والله أعلم.

إذا انضاف إلى ذلك أيضًا مزيد الصبر على العناء والمشقة الحسيّة والنفسيّة، المشقة المتركبة على كثرة المتهافتين على حربك وتخذيلك، وتشويه مسيرك، ثم تُقابل ذلك بدرعٍ حصينٍ من الصبر والتحمل والتثبت والمصابرة والمرابطة في ذات الله، لا شك أن هذا أيضًا يقتضي بفضل الله ورحمته؛ زيادة علو مرتبتك ورفعة درجتك.

أيضًا قد يمتن الله جل وعلا على بعض المجاهدين، ويختصهم بمزيد من الفضل ... كأن يكون بعضهم قائمًا على مراعاة ومداواة وتمريض جرحى المجاهدين في سبيل الله، فهذا أيضًا مقتضى عظيم من مقتضيات علو الدرجات ومضاعفة الحسنات.

ألا ترى أخي؛ أن الزائر للمريض العادي بمرض ليس له سبب شرعي كالجهاد، إنما مرض قدري، كوني، فإن زائره زيارة عابرة يخوض بالرحمة حتى يرجع ... كيف بالمرابط في سبيل الله، إذا كان مرابطًا صابرًا غريبًا قائمًا على ليس زيارة المريض ... ولكن على تمريض الجريح في سبيل الله؟!

إن ذاك من أعظم مقتضيات رفعة الدرجات ومضاعفة الحسنات، نسأل الله ألا يكلنا وإياكم إلى أعمالنا طرفة عين، وأن يشلمنا بواسع رحمته وفضله، فما هذه الأعمال إلا أسباب شرعها الله لبلوغ مرضاته.

بهذه المناسبة أذكرك - في هذا العصر الذي اغترب فيه الدين أيما غربة - بمقطعٍ جميلٍ من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال مرسلًا للمجاهدين في زمانه في الثغور، مع أن وقتهم لا يُقارن ... أو أن الإسلام في وقتهم لا تقارن غربته بغربة الإسلام في عصرنا، لا سيّما شعيرة الجهاد، ومع ذلك، اسمع ماذا يقول رحمه الله لكتائب المجاهدين في زمانه.

قال في رسالته: (واعلموا أصلحكم الله؛ أن من أعظم النعم على من أراد الله به خيرًا أن أحياه إلى هذا الوقت الذي يجدد الله فيه الدين ويحيي فيه شعار المسلمين واحوال المؤمنين والمجاهدين، حتى يكون شبيهًا بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فمن قام في هذا الوقت بذلك، كان من التابعين لهم بإحسان الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا، ذلك الفوز العظيم، فينبغي للمؤمنين أن يشكروا الله تعالى على هذه المحنة التي في حقيقتها منحة كريمة من الله، وهذه الفتنة التي في باطنها نعمة جسيمة، حتى والله لو كان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم رضي الله عنهم حاضرين في هذا الزمان؛ لكان من أفضل أعمالهم جهاد هؤلاء القوم المجرمين، ولا يفوت مثل هذه الغزاة إلا من خسرت تجارته، وسفه نفسه، وحُرُم حظًا عظيمًا من الدنيا والآخرة، إلا أن يكون ممن عذر الله تعالى) انتهى كلامه يرحمه الله.

نقل شيخ الإسلام أيضًا في أحد رسائله، في فضل مرابطة في سبيل الله - مرابطة التطوع - نقل الاتفاق بين أئمة الإسلام عامة على أنها أفضل من المجاورة بالمساجد الثلاثة؛ فمن أقام ثغر أي كان نوعه ومهمته، مرابطًا في سبيل الله، فإنه أفضل ممن يقوم عابدًا وراكعًا وساجدًا عند الحجر الأسود، فضلًا عن غير المسجد الحرام من المساجد.

ويقول أيضًا: (ولهذا كان - يعني الجهاد والرباط - ولهذا كان أفضل من تطوع به الإنسان) .

قد تقول يا أخي؛ ما هو ضابط الرباط؟ وما هو حده؟

لأهل العلم كلام كثير في تعريف الرباط، كلها متقاربة، لكن من أوضحها وأبينها وأصغرها ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، أن الرباط هو: (المُقام بمكان يخيفه العدو، ويُخيف العدو) .

هذا تقريبًا هو الضابط الواضح الجلي، أن تكون في مكان ... أي مكان كان، سواء في خندق؛ في العراء وفي الفضاء، أم في حرب مدن؛ في بيوت واختفاء، أم غير ذلك، ما دام قمت مرابطًا في سبيل الله في مقام يخافه العدو، وأيضا تخشى من العدو أن يداهمك فيه، فإنك حينئذ بإذن الله تكتب مع صفوف المرابطين في سبيل الله تعالى.

مما ورد من النصوص في شأن الرباط وفضله؛ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

ذكر أهل العلم في هذه الآية كلامًا كثيرًا، من ضمنه ما روي عن الحسن أنه قرأ هذه الآية {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا} فقال: (أمروا أن يصابروا الكفّار حتى يكون الكفّار يملون دينهم) ، وقال الأزهري: (في قوله {وَرَابِطُوا} ؛ قولان أحدهما: أقيموا على جهاد عدوكم بالحرب وارتباط الخيل) . وغير ذلك من المعاني الجميلة.

وفي السنّة؛ ما ثبت في صحيح مسلم عن سلمان رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (رباطُ يومٍ وليلةٍ في سبيل خير من صيام شهرٍ وقيامه، ومن مات مرابطًا؛ مات مجاهدًا، وجرى عليه عمله، وأُجري عليه رزقه من الجنة، وأمن الفتّان) .

وروي أيضًا في السنن عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رباط يوم في سبيل الله؛ خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) .

في رواية، أيضًا عن عثمان ابن عفّان رضي الله عنه، أنه قال يومًا على المنبر: (سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا كتمتكموه كراهية تفرقكم عني) ، يعني؛ من عظيم شأن الفضل في هذا الحديث خشي لو نشره أن يتفرق المؤمنون في الثغور طلبًا لعظيم الأجور المترتبة على الإقامة فيها، فكان يكتم هذا الحديث زمانًا كثيرًا حفاظًا على علماء الصحابة في المدينة، ولكنه شعر بمسؤولية ووجوب تبليغ العلم وتبيينه، فقال يومًا على المنبر: (سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا كتمتكموه كراهية تفرقكم عني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول؛"رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل، فليختر كل امرئ لنفسه ما شاء") .

ولذلك أخي لتعلم أنك على خيرٍ عظيمٍ، لا تستطيع أن تستوعب عظمته وفضله، ولكن سل الله مزيد من الهدى والعافية والثبات، والله لو تستطيع أن تشكر نعمة الله على أن اختصك من بين سائر المسلمين في هذا الزمان، فانتظمك في سلك الطائفة المنصورة لتكون شجى في حلوق الأعداء، تخيفهم ويخيفونك، بذلت وقتك، ونفسك، ومالك كله لله عز وجل امثالًا لأمر الله، ورغبة في نصر دين الله، وطمعًا في العزة، وخوفًا من مواطن الذلة.

فأسأل الله جل وعلا أن يبلغنا وإياك خيرًا مما نتمنى، وأن يجعلنا من الثابتين على هذا الطريق حتى نلقاه.

وأعود فأبين لك مقطعًا آخرا من كلام شيخ الإسلام رحمه الله لما بيّن فضل الرباط في سبيل الله والجهاد، قال: (هذا بابٌ واسعٌ - يعني باب الجهاد والرباط - لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه، وهو ظاهر عند الاعتبار، فإن نفع الجهاد عامٌ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه محتمل من محبة الله تعالى والإخلاص له والتوكل عليه وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله وسائر أنواع الأعمال على ما لا يشتمل عليه عمل آخر، والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنين دائمًا، إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة، فإن الخلق لا بد لهم من محيا وممات، ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة، وفي تركه ذهاب السعادتين أو نقصهما، فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا، مع قلة منفعتها، فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد، وقد يرغب في ترفيه نفسه حتى يصادفه الموت، فموت الشهيد أيسر من كل ميتة، وهي أفضل الميتات) انتهى كلامه يرحمه الله.

نسأل الله جل وعلا لنا ولك مزيدًا من الهدى والعلم والرفعة والعلو والظفر والنصر والثبات وقرة العين في الدنيا والآخرة.

نسأل الله أن يجعلنا وإياك نواة الخلافة الإسلامية، ونواة النصر والظفر، ونواة القضاء على عروش الطواغيت من عرب وعجم.

نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا جهادًا في عافية، وأن يرزقنا نصرًا - أيضًا - في عافية وثبات وبعد عن مواطن الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

أسأل الله جل وعلا أن يعيننا وإياك على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يهدينا بأفضل الأعمال وأحبها إليه، وأن يجعل أفضل أعمالنا أواخرها.

ونسأله جل وعلا أن يبلغنا وإياك أفضل منازل الشهداء في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، إن ربي جواد كريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

وأستغفر الله لي ولك ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فنستغفر الله جميعًا من ذنوبنا وخطاينا وزلاتنا إنه كان غفارًا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

*) أصل هذه الرسالة شريط صوتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت