ذلك فلم يجبه احد, فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته, فقام إليه رجل مما حضر المسجد فقال ,كلا إنما المال مالنا, والفيء فيؤنا, فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بسيوفنا, فنزل معاوية فأرسل إلى الرجل فأدخله, فقال القوم: هلك الرجل, ثم دخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير, فقال معاوية للناس: إن هذا أحياني أحياه الله, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيكون بعدي أمراء يقولون ولا يرد عليهم, يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة, وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد علي أحد فخشيت أن أكون منهم, ثم تكلمت في الجمعة الثانية فلم يرد علي أحد فقلت في نفسي إني من القوم, ثم تكلمت في الجمعة الثالثة فقام هذا الرجل فرد علي فأحياني أحياه الله [1] .
وجه الاستدلال: هذه الآثار فيها دليل على وجوب مسائلة الرؤساء والأمراء, وتقديم النصائح لهم, وهو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, و تعتبر رقابة الأمة على الأمراء من باب تقديم النصيحة لهم.
رابعًا: اتخاذ البطانة الصالحة:
ولها شواهد؛ منها:
1 -ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان, بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه, وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه, فالمعصوم من عصم الله تعالى" [2] .
2 -قوله صلى الله عليه وسلم:"من ولي منكم عملًا فأراد الله به خير جعل له وزيرًا صالحا إن نسي ذكره, وإن ذكر أعانه" [3] .
وجه الاستدلال: الحديثان فيهما دليل على وجوب اتخاذ البطانة الصالحة للإمام, أو الحاكم, أو الرئيس يبصرونه بأمور الناس وحياتهم, وهذا من باب رقابة الأمة.
3 -ما روي أن أول خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز [4] أنه حمد الله وأثنى عليه, ثم قال: أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فليفارقنا, يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها, ويعنا على
(1) 1 - انظر؛ الطبراني: المعجم الكبير, 19/ 393, ح 6773, وأبو يعلي مسند أبو يعلي, 13/ 374, والهيثمي: مجمع الزوائد, 5/ 236, والأثر صحيح, انظر الألباني: السلسلة الصحيحة, 4/ 398, ح 1790.
(2) 2 - انظر؛ الإمام البخاري: صحيح البخاري, 4/ 482, كتاب الفتن, باب بطانة الإمام وأهل مشورته, ح 7198.
(3) 3 - انظر؛ ابن حجر: فتح الباري, 13/ 191, ح 6773, والنسائي: سنن النسائي, ص 648, كتاب البيعة, باب وزير الإمام, ح 4204, والبيهقي: سنن البيهقي, 10/ 111, كتاب آداب القاضي, باب من يشاور, قال الشافعي رحمه الله يشاور من جمع العلم والأمانة, ح 20106, والحديث صحيح, انظر؛ الألباني: السلسلة الصحيحة, 1/ 881, ح 489.
(4) 1 - عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، الإمام الحافظ العلامة المجتهد الزاهد أمير المؤمنين أبو حفص، القرشي الأموي المدني ثم المصري، الخليفة الزاهد الراشد أشج بني أمية, (ت 101 هـ) , انظر الذهبي: سير أعلام النبلاء, 5/ 114,144.