وبهذا صانت الشريعة الإسلامية الأنساب من الضياع والتزييف، وجعلت ثبوت النسب حقًا للولد وللأم، بل وللمجتمع كله، فهو حق للولد ليدفع به عن نفسه المعرة والضياع، ويحميه من التشرد والانحراف، فوجود ولد بلا أب يعرض المجتمع إلى أذى كثير، ويؤدي إلى شر مستطير.
وهو حق للام تدرأ به الفضيحة عن نفسها واتهامها بالفاحشة، وتدفع به العار عن أسرتها، وحق للأب يحفظ به نسبه وولده؛ لأن النسل امتداد للإنسان وأثر يبقى له، فذكر الفتى عمره الثاني، قال - صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن ادم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، صدقة جارية، علم ينتفع به) [1] ، وقال (إن العبد لترفع له الدرجة بعد موته فيقول يا رب من أين فيقال من دعاء ولدك لك) .
قال الأحنف بن قيس: إن الأولاد هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول على كل جليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقلًا ثقيلًا فيملوا حياتك، ويودوا وفاتك، ويكرهوا قربك، فقال معاوية - رضي الله عنه: (لله أنت يا أحنف لقد دخلت علي وأنا مملوء غضبًا وغيظًا على يزيد) [2] .
المطلب الأول: عناية الشريعة الإسلامية بالنسب:
يعد النسب في الشريعة الإسلامية من الكليات والضروريات الست التي قامت أحكامها على رعايتها وحفظها، وعلاقة النسب في جوهرها علاقة إنسانية، تثبت للإنسان بمجرد أن يولد حيا.
ولهذا فطر الإنسان على تعزيز هذه العلاقة والعناية بها، والدفاع عنها، فهي تعد مظهرًا من أبرز مظاهر تكريم الله للإنسان، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} (الفرقان: 54) .
(1) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب الوقف، ح (1297) وقال أبو عيسى حديث حسن صحيح.، والنسائي في سننه، كتاب الوصايا، فضل الصدقة عن الميت، ح (3591) .
(2) إحياء علوم الدين للغزالي (2/ 218) .