وإثبات النسب في الإسلام تجتمع فيه حقوق أربعة: حق لله، وحق للولد، وحق للأب، وحق للأم، قال الإمام ابن القيم: (إن إثبات النسب فيه حق لله، وحق للولد، وحق للأب، ويترتب عليه من أحكام الوصل بين العباد ما به قوام مصالحهم، فأثبته الشرع بشتى الطرق التي لا يثبت بمثلها نتاج الحيوان) [1] ، فحق الله فيه من جهة أنه أمر بدعوة الولد إلى أبيه الحقيقي، ومن ثم نهى عن التبني، وجعله قولًا بغير الحق، كما توعد كل فعل يكون من الرجل والمرأة من شأنه تزييف النسب أو الدس فيه ما ليس منه، قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ} (الممتحنة: 12) . يعني: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم [2] .
أما حق الولد: فهو ثمرة أبيه، ونتاج زرعه، فكان من حقه أن يثبت نسبه من أبيه لحفظ حقوقه التي قررها الشارع له، وصيانة له من الضياع.
وأما حق الأب: فلأنه المولود له فكان حق نسب الولد إليه لا إلى غيره، وفيه رعاية لحقوقه التي أوجبها الله على ولده، وفيه حق للأم لأنها تعير بولد لا أب له.
ولما كانت الأنساب هي قوام الأسرة والدعامة الرابطة بين أفرادها، فقد حرص الإسلام على حمايتها ورعايتها، وكان من مظاهر ذلك تشريعه لأحكام تحقق هذا الغرض، وتحفظ للأنساب صلاحها واستقرارها, ومن الأحكام التي أسستها الشريعة في سبيل حماية الأنساب ما يلي:
1 -تحريم الزنا: حيث يعد الزنا من كبائر الذنوب بعد الشرك بالله والقتل، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) } (الفرقان) , والزنا من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى
(1) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم الجوزية، ص 331.
(2) تفسير القرآن العظيم، (4/ 35) ط: دار الفكر بيروت.