الصفحة 29 من 54

والبينة التي يثبت بها النسب هنا هي شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، بل يكفي في البينة شهادة امرأة واحدة فيما لا يطلع عليه الرجال كالبكارة والثيوبه, والولادة والاستهلال، والحيض وعيوب النساء والرضاع، وهي الأولى بشرط العدالة؛ لأن الشهادة في هذه الأشياء من باب الخبر، ومعلوم أن ما كان من باب الخبر تقبل فيها شهادة شخص واحد.

وإذا ادعى رجل بنوة ولد مجهول النسب، ثبت نسبه مع عدم ثبوت الفراش وشبهة الفراش بشرط أن لا يدعي أنه من الزنا وبهذا قال التابعيّ الجليل عروة بن الزبير - رحمه الله -، والحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وإسحاق بن راهوية، وهو اختيار الإمام شيخ الإسلام أحمد بن تيميه - رضي الله عنه - [1] ، وهذا القول وإن كان مخالفًا لرأي الجمهور إلا أن فيه مصلحة للولد وللمجتمع، فمن الخير أن ينسب الولد إلى من يدعيه ليقوم بتربيته وتعليمة ويتولى أمره؛ لأن كونه بلا أب يؤدي إلى تشرده وضياعه واحترافه الإجرام فيلحق بذلك أذى للمجتمع، وبهذا تعين الأخذ بما ذهب إليه الإمام ابن تيمية وعروة بن الزبير ومن أخذ بقولهما من السلف والخلف؛ لأنه ينبغي المصير إليه والعمل به، لا سيما أنهم لا يقولون بثبوت النسب في مثل هذه الحال إلا إذا لم يكن هناك ثمة فراش يعارض هذه الدعوة.

وإذن فإن القول بإلحاق ولد الزنا بمن يدعيه قول قوي، والقياس الصحيح يقتضيه، فإن الأب أحد الزانيين، وهذا الولد يلحق بأمه، مع كونها أحد الزانيين، وقد تخلق الولد من مائهما، حيث اشتركا فيه واتفقا على أنه ابنهما، فلم يكن ثمة مانع من لحوقه بالأب إذا لم ينازعه غيره.

رابعًا: ثبوت النسب بالقيافة: يقصد بالقيافة: قوة النظر ودقة الفراسة.

ذهب فريق من الفقهاء إلى اعتبار القيافة طريقًا من طرق إثبات النسب، واستدلوا بما يلي:

(1) مجموع الفتاوى (32/ 112) ، زاد المعاد (4/ 236) ، الفروع (5/ 526) ، الاختيارات: ص 283.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت