ويُعبّر الحاكم عن إذن الشارع بالعمل الطبي، بالترخيص القانوني بممارسته، ومن أهم ما يتطلبه القانون لإعطاء هذا الترخيص، حصول طالبه على المؤهل الدراسي الذي يعدّه لهذه المهنة، فالقانون لا يثق في غير من رخّص لهم بالعلاج، لأنهم في تقديره هم الذين يستطيعون القيام بعمل طبي يطابق الأصول العلمية، ويتجه في ذاته إلى شفاء المريض.
إذن العبد، يكون بإطلاق التصرف ابتداءً أو إجازته بعد وقوعه، ولا اعتبار لإذن العبد، إلا إذا تحقق معه إذن الشارع، ولذلك فإن إذن العبد يكون دائمًا موقوفًا على موافقته للشرع، وكونه على الوجه الذي يرضاه، وبدون ذلك، لا يحقق إذن العبد، الإباحة الشرعية.
وبيان ذلك، أن الشريعة الإسلامية لا تعتبر رضا الإنسان، سببًا للإباحة، إلا فيما وافق الشرع، وذلك فيما لم يرد فيه نهي أو تحريم، وإلا لا اعتبار له، ولذلك فإن إتلاف المال المحرّم بإحراقه ونحو ذلك، دون مصلحة، لا يجوز، وإن أذن صاحبه في ذلك، لأن أقل ما يتحقق فيه من نواحي المفسدة، الإسراف وإضاعة المال في غير وجه شرعي، ولا عبرة برضاء شخص مسلم أن يأكل لحم خنزير، أو يشرب خمرًا، أو رضاء امرأة لرجل ليس زوجًا لها، أن يجامعها أو يعانقها، لأن رضاء الله سبحانه وتعالى غير موفور في هذه الجزئيات [1] .
وقد بيّن الإمام العز بن عبدالسلام [2] ، إذن العبد بقوله"والإذن ضربان: أحدهما: ما ترجع فائدته إلى المأذون له، فإن كان من المنافع فهو العواري، وإن كان من الأعيان، فهو المناتج والضيافات."
والضرب الثاني: ما ترجع فائدته إلى الآذن، فإن كان من الاستصناع، كالحلق والحجامة والدلك، ففي استحقاق الأجرة به خلاف، وإن كان من التصرف القولي، فهو التوكيل في أصناف المعاملات، وإن كان تصرفًا فعليًا، كالقبض والإقباض، فهو التوكيل في كل ما يتعلق به الإذن من الأفعال القابلة للتوكيل"."
ومتعلق الإباحة عند الفقهاء، هو ما أُذن فيه، سواء أكان الإذن من الشارع أم من العباد، ويترتب عليهما معًا رفع الإثم والحرج من الشارع، فلا فرق بين نوعي الإذن من هذه الناحية، وإنما يتمثل الاختلاف بينهما فيما ذكره الإمام القرافي [3] ومحمد علي بن حسين المكي [4] في الفرق بين قاعدة الإذن العام من قِبل صاحب الشرع في التصرفات، وبين إذن المالك الآدمي في
(1) الأستاذ محمد سلام مدكور: المرجع السابق ص 469 - 470.
(2) قواعد الأحكام جـ 2 ص 87.
(3) الفروق جـ 1 ص 195.
(4) تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية، مطبوع بهامش الفروق جـ 1 ص 197.