المريض أو وليه، كأن يُصاب المريض، أو وليه -إذا كان قد صدر الإذن منه لعدم أهلية المريض- بالجنون الذي لا يُرجى برؤه، فإنه عندئذ يفقد الأهلية، ويتوقف إذنه عن السريان، ولابد حينئذ من تجديد الإذن من وليه الجديد، كما ينتهي الإذن بسحب المريض لإذنه، ورفضه العلاج، حيث لا يجبر على العلاج إلا لضرورة.
إعطاء الإذن من المريض للطبيب وقبول الثاني له، يُعد بمثابة عقد عمل بينهما، على خلاف بين الفقهاء هل هو عقد إجارة أو جعالة، فكل عقد علق العاقد فيه شرط استحقاق العامل الجعل المسمى بعد إنجاز العمل كاملًا، يعد عقد جعالة، بخلاف الإجارة، حيث يستحق العامل أجرته يوميًا بحسب الأيام التي عمل فيها.
فعند الحنفية [1] ، الجعالة غير مشروعة، وعند بعضهم هي نوع من الإجارة الفاسدة، إذ لا يوجب الحنفية العوض، ما لم يتحقق الإيجاب والقبول، والجعالة عقد يتكوّن من موجب معلوم وقابل مجهول، ولذلك إذا جهل أحد المتعاقدين، لم تصح الجعالة ولا الإجارة.
ومن المالكية من لم يُجز الجعالة في العقد الذي يشرع على عمل مشابه للإجارة، لأن العامل في عقد الجعالة لا يستحق الجعل ما لم ينجز العمل كاملًا، فينتفع العاقد على حساب الغير، ولذلك قال الخرشي [2] ، بشأن مشارطة المريض"وظاهر المذهب أن هذه الفروع كلها من الإجارة".
بينما أجاز فقهاء الشافعية الجعالة على ما ينفع المريض من دواء أو رُقية [3] .
واختلف الحنابلة في مجاعلة الطبيب، فلو قال من داوى لي هذا المريض حتى يبرأ من الجرح أو من الرمد، فله عشرون دينارًا، لم يصح هذا على الصحيح من المذهب لا إجارة ولا جعالة، وقال بعضهم هذه جعالة، وقال بعضهم إنها إجارة لا غير [4] .
ويظهر أثر هذا الخلاف، في مشارطة المريض على الطبيب البرء، حيث يجوز هذا جعالة لا إجارة، لأن الإجارة لابد فيها من مدة أو عمل معلوم، وأما الجعالة فتجوز على عمل مجهول، كرد اللقطة والآبق [5] .
(1) راجع الدر المختار، جـ 5 ص 43، البحر الرائق جـ 8 ص 33.
(2) شرح الخرشي، المطبعة الأميرية الكبرى، مصر جـ 7 ص 61.
(3) مغني المحتاج جـ 2 ص 429.
(4) راجع الإنصاف للمرداوي، الطبعة الأولى 1957 جـ 6 ص 391 - 392، كشاف القناع جـ 4 ص 15 - 16، المغني جـ 6 ص 121.
(5) المغني جـ 6 ص 124.