المبحث الأول
إباحة العمليات الجراحية
بإذن الشارع وإذن المريض معًا
رغم إجماع الفقهاء على مشروعية العمل الطبي، إلا أنهم اختلفوا في تعليل ذلك، فذهب الحنفية [1] إلى أن العلة ترجع إلى الضرورة الاجتماعية وإذن المريض أو وليه.
بينما ذهب الشافعية [2] والحنابلة [3] إلى أن العلة ترجع إلى إذن المريض، وأن الطبيب يقصد علاجه، ولا يقصد الإضرار به.
وذهب المالكية [4] إلى أن العلة هي إذن الحاكم أولًا، وإذن المريض ثانيًا، وباجتماع الإذنين معًا، يُعد العمل الطبي مشروعًا، ولا مسؤولية على الطبيب إلا إذا خالف أصول الطب أو أخطأ في فعله.
وهذا الاختلاف بين الفقهاء في تقرير أساس إباحة العمل الطبي، يدل على التقدير بشأن هذه المهنة، وخطورتها في آن واحد [5] . فبعضهم يرى أن العلة هي الحاجة إلى ممارسة مهنة الطب في جو يشجع على ممارستها، لاسيما حين يقترن بالإذن، وبعضهم يرى أن العلة بالإضافة إلى إذن المريض، قصد العلاج لا الضرر، والقرينة على هذا القصد، وقوع العمل الطبي موافقًا للأصول الفنية، وبعضهم يرى أن العلة هي الإذن في صورته المزدوجة المركبة، إذن الحاكم بممارسة المهنة، وإذن المريض بإجراء العمل الطبي.
(1) شرح فتح القدير، المطبعة الأميرية، القاهرة 1318 هـ جـ 8 ص 291، رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار جـ 5 ص 43.
(2) مغنى المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شرح الشيخ محمد الشربيني الخطيب، على متن المنهاج: لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي، مكتبة مصطفى البابي الحلبي 1377 هـ 1958 جـ 2 ص 337 وما بعدها.
(3) المغني: لابن قدامة، دار الكتب العلمية، بيروت جـ 6 ص 120 وما بعدها، ومعه الشرح الكبير جـ 6 ص 124 وجـ 10 ص 350 وما بعدها، كشاف القناع: للبهوتي، عن متن الإقناع، للإمام موسى بن أحمد الحجاوي الصالحي، دار الكتب العلمية، بيروت 1418 هـ 1997 جـ 4 ص 42.
(4) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، للدردير، جـ 4 ص 255، بداية المجتهد ونهاية المقتصد جـ 2 ص 414.
(5) الدكتور عبد الستار أبو غدة: فقه الطبيب وأدبه، ضمن أبحاث المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي بالكويت، يناير 1981 م، مطبوعات وزارة الصحة العامة والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت ص 596.