الثانية: عجزه عنهما كالمريض العادم للماء، والرقيق العادم للرقبة [1] ، فحكمة أيضًا ظاهر.
الثالثة: قدرته ببدنه، وعجزه عن المأمور به، كالصحيح العادم للماء، والعاجز عن الرقبة في الكفارة، فحكمه الانتقال إلى بدله إن كان له بدل يقدر عليه، كالتيمم أو الصيام في الكفارة ونحو ذلك، فإن لم يكن له بدل سقط عنه وجوبه، كالعريان العاجز عن ستر عورته في الصلاة، فإنه يصلي ولا يعيد.
الرابعة: عجزه ببدنه، وقدرته على المأمور به أو بدله"."
هذا التقسيم أورده ابن القيم في كتابه"بدائع الفوائد" [2] وذكر أن هذا القسم الأخير: هو مورد الإشكال في هذه الأقسام، ثم ساق له ثلاث صور:
الأولى: المعضوب الذي لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، متى وَجَد من ينوب عنه في الحج، وله مال يقدر أن يُحجّ به عنه، فالصحيح وجوب الحج عليه بماله، لقدرته على المأمور به، وإن عجز عن مباشرته هو بنفسه، كالصوم إذا عجز عنه افتدى.
ولحديث أبي رزين رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة. فقال صلى الله عليه وسلم: (حُجّ عن أبيك واعتمر) أخرجه الخمسة وصححه الترمذي [3] .
وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة المرأة الخثعمية قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، قال: (فحجي عنه) متفق عليه [4] .
وهذا قول الأكثرين كالأئمة الثلاثة خلافًا لمالك، فيرى أنه لا حج عليه إلا أن يستطيع بنفسه [5] .
ونظيره من عجز عن الجهاد ببدنه وقَدِر عليه بماله، وَجَب عليه بالمال في أصح قولي العلماء، وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد رحمه الله [6] ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية [7] :"وينبغي أن يكون محل الروايتين في واجب الكفاية، وأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعًا".
(1) الرقيق في ذاته عاجز، إذ الرق كما عرّف:"عجز حكمي .."، ولحقه عجز من جهة ما أمر به من عتق الرقبة في الكفارة؛ لكونه معدمًا لا مال له.
(3) أخرجه أبو داود (1810) ، والترمذي (930) ، والنسائي (5/ 117) ، وابن ماجه (2906) ، وأحمد (4/ 10، 11، 12) وصححه أيضًا: ابن خزيمة (2040) ، وابن حبان (3991) ، والحاكم (1/ 48) ووافقه الذهبي، وابن حجر في هداية الرواة (2461) وقال:"وأشار أحمد إلى صحته".
(4) أخرجه البخاري (1513) ، ومسلم (1334) .
(5) انظر: الهداية للمرغيناني (1/ 134) ، والأم للشافعي (2/ 123) ، والمغني (5/ 19 - 20) ، والكافي لا بن عبد البر (1/ 356) ، والمحرر للمجد ابن تيمية (1/ 133) .
(6) انظر: المصدر نفسه (2/ 170) ، وأحكام القرآن للجصاص (4/ 316) .
(7) الاختيارات الفقهية (ص 08 3) ، وانظر: مجموع الفتاوى (28/ 87) .