الصفحة 40 من 64

المبحث الرابع: صلة القاعدة بشرط القدرة وأحوال المكلفين عند الإتيان بالمأمور به

المطلب الأول: صلة القاعدة بشرط القدرة:

لم يختلف العلماء في أن امتثال الأوامر الشرعية مشروط بقدرة المكلف، وبدونها لا يصح التكليف، وإن ما أوجبه الشارع، أو أوقف صحة العمل عليه: شرطًا كان أو ركنًا أو واجبًا، هو مقيد بكون المكلف قادرًا عليه، لأنه الحال التي يؤمر فيها به [1] .

وشرط القدرة: أن توجد حقيقة لا حكمًا، بأن يكون المكلف متمكنًا من الفعل من غير عسر ولا مشقة، فلو تمكن من الفعل لكن لَحِقه فيه ضرر، فإنه ينزل منزلة العاجز، كالتطهير بالماء، والصيام في المرض، والقيام في الصلاة؛ تحقيقًا لقوله تعالى؛ (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185] ، وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 78] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين) أخرجه البخاري [2] .

فإذا اختلت قدرة المكلف خُفّف عنه التكليف بما يتلاءم مع حاله وقدرته: إما بالإسقاط كإسقاط الجمعات والصوم والحج بأعذار معلومة، أو بتخفيف التنقيص كقصر الصلاة، أو تخفيف الإبدال كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، أو تخفيف التقديم أو العكس كتقديم العصر إلى الظهر، أو تأخير الظهر إلى العصر، أو تخفيف الترخيص كصلاة المتيمم مع الحدث [3] .

وما أمكنه فعله من تلك الأحكام التي طرأ عليها التخفيف لأهل الأعذار، لزمه الإتيان به، ولا يجوز له ترك الكل بحجة أنه يعجز عن الإتيان بالأحكام الأصلية، أو لكونها تشق عليه، بل يجب عليه فعل ما أمكنه، لأن المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه [4] .

المطلب الثاني: أحوال المكلف بالنظر إلى القدرة والعجز في بدنه والآلات المأمور بها:

"المكلف بالنسبة إلى القدرة والعجز في الشيء المأمور به، والآلات المأمور بمباشرتها من البدن، له أربعة أحوال:"

أحدها: قدرته بهما، فحكمه ظاهر، كالصحيح القادر على الماء، والحر القادر على الرقبة الكاملة.

(1) انظر: تهذيب السنن (1/ 47) ، ومجموع الفتاوى (21/ 634) ، وفواتح الرحموت (1/ 135) .

(2) (220) . وانظر: مجموع الفتاوى (8/ 439) ، والموسوعة الفقهية -إصدار وزارة الأوقاف في الكويت- (3/ 331) .

(3) انظر: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (2/ 8 - 9) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص 170) ، والمجموع المذهب في قواعد المذهب العلائي (1/ 105 - 106) .

(4) انظر: المنثور للزركشي (1/ 232) ، ورفع الحرج في الشريعة في الإسلامية لابن حميد (ص 97) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت