قد يثار حول تطبيق القاعدة إشكالات وشبهات تخل بإعمالها، أو تبطلها. من ذلك:
1 -أن مفاد قاعدة"ما لا يدرك كله لا يترك جله"يعارضه قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: 7] ، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102] ، ففي هذه الآية: أمرٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يتقوه كما يجب أن يتقى، بفعل جميع الأوامر وترك المناهي كلها، وأن يستمروا على ذلك، ويثبتوا عليه إلى الممات [1] . كما أن الآية الأولى دلت على وجوب اتباع أوامر النبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا، ولم يخص المستطاع منها دون غيره [2] .
وأجيب عن هذه المعارضة: بأن الآيتين خصتا بقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] ، والتقوى تشتمل على جميع المأمورات، فصار معنى الآية الأولى: وما آتاكم الرسول فافعلوا منه ما استطعتم، ومعنى الآية الثانية: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، ثم جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) موافقًا للآية المخصِّصة، كما جاء قوله صلى الله عليه وسلم -في حديث جبريل- (وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا) [3] موافقًا لقوله تعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ) [آل عمران: 97] [4] .
والقول بالتخصيص والبيان أولى من القول بأن آية (اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) منسوخة بقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ؛ لأن النسخ إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، والجمع هنا ممكن، بأن التقوى في الآية إن أريد بها: الأمر والوجوب، فإن الأوامر والواجبات تكون على قدر الاستطاعة، فتكون كل من الآيتين موافقة للأخرى [5] .
وإن أريد بها: ترك المعاصي، فيكون معنى قوله: (اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أن يجتنب جميع معاصيه، ومثل هذا لا يجوز أن ينسخ؛ لأنه إباحة لبعض المعاصي.
وإذا تقرر ذلك صار معنى الآيتين واحدة؛ لأن من اتقى الله ما استطاع فقد اتقاه حق تقاته. ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ) ما لا يستطاع من التقوى؛ لأن الله سبحانه أخبر أنه
(1) انظر: تفسير ابن سعدي (ص 141) ، ومفاتيح الغيب (8/ 179) .
(2) التعيين في شرح الأربعين للطوفي (ص 111) بتصرف.
(3) أخرجه مسلم (الحديث الأول) عن عمر بن الخطاب.
(4) انظر: التعيين في شرح الأربعين (ص 111) ، وتفسير ابن السمعاني (1/ 345) ، والجامع لأحكام القرآن (4/ 102) .
(5) تفسير ابن السمعاني (1/ 345) بتصرف، ونحوه في: فتاوى ابن الصلاح (ص 19 - 20) .