وإنما لزمهم القضاء؛ لثبوته من رمضان، ولم يأتوا فيه بصوم صحيح، ولحديث: أن قبيلة أسْلَمَ أتتْ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (صمتم هذا اليوم؟) قالوا: لا. قال: (فأتموا بقية يومكم واقضوه) أخرجه أبو داود [1] .
الثالث: وجود ضرورة أو حاجة منعت من إلحاق المسألة المستثناة بالقاعدة:
مثاله: إذا كان الماء الذي يحمله قليلًا، وخاف على نفسه من العطش، وأمكنه أن يتوضأ، ثم يجمع الماء الذي توضأ به ويشربه، لم يلزمه، وله أن يتيمم؛ لأن النفس تعاف شرب الماء المستعمل [2] .
مثال آخر: من وجد ثلجًا أو برَدًا، وتعذر عليه تذويبه، لزمه مسح أعضاء وضوئه به في المنصوص عن أحمد والمذهب عند الشافعية [3] .
الرابع: أن يظهر قياس يمنع من إلحاق المسألة المستثناة بالقاعدة:
مثاله: الأخرس ومقطوع اللسان يُحرم للصلاة بقلبه، ولا يحرك لسانه، وهكذا حكم القراءة والذكر والتكبير، يأتي به بقلبه، ولا يحرّك لسانه وإن قدر عليه؛ لأنه عَبَثٌ، ولم يرد الشرع به، كالعبث بسائر جوارحه. إلى هذا ذهب الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ووافقه تلميذه ابن القيم، ونقل عنه أنه قال [4] :"ولو قيل: إن الصلاة تبطل بذلك كان أقرب؛ لأنه عبث ينافي الخشوع، وزيادة عمل غير مشروع" [5] .
الخامس: أن يمنع من دخول المسألة في القاعدة وجود قاعدة أخرى هي أولى بها:
مثاله: إذا عجز الشفيع عن بعض ثمن الشقص -أي: حصة شريكه- سقطت الشفعة، ولا يأخذ من الشقص مقابل ما وجد من الثمن؛ لأن في أخذه بدون دفع كل الثمن إضرارًا بالمشتري، وفي القاعدة الأخرى"الضرر لا يزال بمثله" [6] .
(1) (2447) ، وأخرجه النسائي في الكبرى (2850 - 2852) لكن بدون قوله: (واقضوه) وفي سنده: عبد الرحمن بن سلمة أو مسلمة الخزاعي، وثقه ابن حبان، وقال ابن القطان: مجهول. وقال في التقريب: مقبول. لذلك قال الألباني في الصحيحة (6/ 251) عن الزيادة،"منكرة". وأخرجه البخاري (1924، 2007) ، ومسلم (1135) بدون الزيادة من حديث سلمة بن الأكوع: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا ينادي في الناس يوم عاشوراء: (إن من أكل فليتم -أو فليصم- ومن لم يأكل فلا يأكل) . وأخرجه أيضًا البخاري (1960) ، ومسلم (1136) من حديث الربيع بنت معوذ نحوه.
وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث أن هؤلاء المذكورين: الكافر إذا أسلم والمجنون إذا أفاق، والصبي إذا احتلم، ومن بلغه الخبر بأن هلال رمضان رؤي البارحة، يجزيهم نية الصيام من النهار حين صاروا أهلًا للوجوب، ولا يلزمهم قضاؤه، وإن كان الواحد منهم أكل أو شرب قبل ذلك. وإلى هذا ذهب ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشوكاني وأبو الحسن السندي والألباني وغيرهم.
انظر: الاختيارات الفقهية (ص 107) ، وزاد المعاد (2/ 72) ، وتهذيب السنن (3/ 328) ، ومجموع الفتاوى (25/ 109، 117) ، وحاشية السندي على سنن ابن ماجه (1/ 528، 529) ، ونيل الأوطار (4/ 167) ، وفتح الباري (4/ 178، 312) .
(2) انظر: الإقناع (1/ 51) ، وكشاف القناع (1/ 164) ، والفروع (1/ 276) .
(3) وفي قول آخر عندهم: يتيمم عن الوجه واليدين، ثم يمسح به الرأس ثم يتيمم للرجلين، وعن أحمد في الإعادة روايتان.
انظر: فتح العزيز (2/ 226 - 227) ، والمجموع للنووي (2/ 269) ، والفروع وتصحيحه (1/ 297 - 298) ، والمجموع المذهب (ص 247) ، والأشباه والنظائر لابن السبكي (1/ 159) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص 294) .
(4) تحفة المودود (ص 120) ، والاختيارات الفقهية (ص 55) ، وانظر: الإقناع (1/ 114) ، وكشاف القناع (1/ 331) ، والتنقيح المشبع (ص 60) ، والفروع (2/ 164) والروض المربع (2/ 227) .
(5) وقيل: يلزمه أن يحرك لسانه وشفتيه بالتكبير ونحوه، وهو مذهب الشافعية وذكر العراقيون منهم أنه من منصوص الشافعي واستشكله إمام الحرمين، وخرّجه بعضهم فيمن طرأ خرسه بعد قدرته على الكلام؛ لأنه حينئذٍ يكون كناطق انقطع صوته فيتكلم بالقوة، ولا يسمع صوته، بخلاف من خرسه أصلي فلا يجب عليه لأنه لا يحسن شيئًا من الحروف حتى يحرّك لسانه. وألحق به الحنابلة من لم يحسن الفاتحة ولا شيئًا من الذكر، لزمه أن يقف بقدر الفاتحة، ولا يحرك لسانه لما تقدم.
انظر: المهذب (1/ 70 - 71) ، وشرح المنهاج للمحلي (1/ 143) ، والأشباه والنظائر لابن السبكي (1/ 157) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص 294) ، والإقناع (1/ 117) ، وكشاف القناع (1/ 341) ، والفروع (1/ 178) .
(6) انظر: التنقيح المشبع (ص 292) ، وكشاف القناع (4/ 160) ، والروض المربع (7/ 229) ، والأشباه والنظائر لابن السبكي (1/ 158) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص 295) ، وبلغة السالك (2/ 229) .